الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٧٥٤الأباضية في موكب التاريخ
VOY
الأباضية في تونس
سواء كان ذلك في الزراعة عندهم ضيق ومحدود، أو كان ذلك في الصيد البحري، صيد السمك والإسفنج، أو كان الصناعة صناعة الفخار والصوف، أو كان في التجارة. وفي الميدان الأخير ميدان التجارة تنافس القوم واهتموا له حتى برعوا فيه، وبرزوا على غيرهم، وتغربوا من أجل التجارة إلى أقصى البلدان وأطالوا الإقامة في الغربة، حتى سيطروا على التجارة في كثير من البلاد، وأصبح لَهُم ثقل في ميزان الاقتصاد، وضرب بهم المثل في الحذق والمهارة والنشاط، وحتى تلك الأيدي التي كانت تشتغل في الزراعة أو الصناعة أو الصيد استهوتها المكاسب التجارية في ديار الغربة.
الله
إن هذا الاتجاه - أعني الاتِّجَاه إلى الاشتغال بالتجارة والتغريب بها وإطالة الغربة من أجلها - قد نتجت عنه نتائج خطيرة من الناحيتين الاجتماعية والدينية؛ فقد أصبح التاجر الجربي ينقطع عن وطنه تبعا لعمله، ويبتعد عن الجو العلمي والديني الذي كان يعيش فيه ويحيا في جو مادي خالص؛ قوامه العمل المتواصل من بين بيع وشراء وحساب للمكسب والخسارة، وتعرف لأحوال التجارة، وما يطرأ على الأسواق من تغيرات، ويخفت في سمعه صوت الوعظ والإرشاد وتبعد عنه أصداء الدروس التي تتعالى في مساجد جربة ويفقد تلك المجالس في بيوت قبل الصلاة، وبعدها، ويصاب بنوع من المادية والجفاف، وغلظ في الحاسة الدينية، ثُمَّ يبدأ في ارتكاب أشياء هيئة في نظر المجتمع الجديد، ما كان ليرتكبها لو بقي في جربة ويستمر ذلك ويتعوده، وهكذا يكتسب عادات وأخلاقا جديدة فيها كثير أو قليل من العادات والأخلاق التي كان الناس يحرصون عليها في وطنه. وعندما يعود إلى الجزيرة من غربته الطويلة ليقيم فيها أياما قليلة للراحة والاستجمام، يعتبر نفسه ويعتبره الناس ضيفا فلا يلتزم السيرة المعروفة للإباضية، ولا يحرص الحرص على حضور مجالسهم في مساجدهم، ولا يهتم بمتابعة الدروس التي تلقى للعامة أو الخاصة. وتتابعت الهجرة، وأصبحت هي الوسيلة للحياة، واعتاد الناس أن يأخذوا معهم أطفالهم وشبابهم إلى ديار الغربة ليدربوهم على احتراف التجارة، فيقطعونهم بذلك عن
الأكيد
التعليم