الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٧٥٥الأباضية في موكب التاريخ
753
الأباضية في تونس
الديني الصحيح السليم، ثُمَّ هم لا يحرصون على رعايتهم رعاية كاملة من ناحية السلوك
الديني، ولهذه الأسباب مجتمعة التي هي:
1 - انحلال نظام العزابة، وفقدان قيادته للمجتمع.
2 - الضغط على العلماء والحيلولة دونهم ودون القيام بأمر الله بين الناس. 3 - توالي الهجرة وتتابعها، والابتعاد عن المجتمع المتماسك المتقيد بسلوك خاص يرعاه أهل العلم والصلاح، تأثرت جزيرة جربة.
هذه الأسباب الثلاثة مهدت لوجودها ما أطلقت عليه في بعض الفصول من هذا الكتاب كلمة الرذيلة، لا سيما في العمل التجاري، وقد جد العلماء المخلصون من أهل الجزيرة الكرام في محاربة ما بدأ يتسرب إلى المجتمع الجربي، ممَّا يُخالف سيرتهم النظيفة في
السابق من مُحرَّم ومكروه، فكانوا ينتقلون بين أحياء الجزيرة للوعظ والإرشاد والأ. بالمعروف والنهي عن المنكر، وتجاوزوا ذلك إلى السفر إلى البلدان التي يكثر فيها التجار من أهل الجزيرة؛ فيشرفون على أعمالهم ويطلعون على سيرتهم، وكثيرا ما يشتد أولئك العلماء في النكير على من يجدونه لا يلتزم السير على النهج الإسلامي القويم، لكن التيار الجارف كان أقوى من مجهود العلم المقيد من طرف السلطة الحاكمة. وفي الأمة الحربية اليوم من مزايا الخلق الإسلامي الشيء الكثير، فهي لا تزال تعتمد في الكفاح من أجل المعيشة على العمل الحر الشريف، دون امتهان للكرامة، أو التصاق بالدولة أو اعتماد عليها، وهي لا تزال ترعى المجتمع رعاية كاملة تأخذ بأيدي فقرائها وتساعدهم على الحصول على العمل الشريف، وهي لا تزال تحرص على الإنفاق في سبيل الخير، لا سيما في ميدان العلم والتعليم والتعليم الديني بالذات. ويهتم أغنياؤها ويتنافسون عليه، وهي لا تزال
محبة للاجتماع والتعاون على الخير والاستماع إلى الوعظ والإرشاد والتأثر بكلمة الحق. هذه المزايا متوافرة في أهالي جربة الكرام، ولو أنهم فكروا في إرجاع نظام العزابة الذي يتولى جميع الشؤون الدينية والاجتماعية، وحرص أفرادهم في مختلف ديارهم على السيرة النيرة المعروفة في جربة عندما كان علماؤهم الأجلاء يشرفون على توجيه الناس، فتمسكوا