الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٧٥٦الأباضية في موكب التاريخ
VO 2
الأباضية في تونس
بها في وطنهم وفي مهجرهم، ثُمَّ وفروا لأبنائهم في جربة وخارجها التربية الدينية السليمة؛ لو
الأمة
فعلوا هذا لكسبوا خيرا كثيرا. وإنه ليسرني وأنا أكتب هذا الفصل عن إخوان أعزاء علي أن أدعوهم إلى أن يراجعوا تاريخهم المجيد، وأن ينظروا في صفحاته المشرقة والصفحات التي كتبها الإسلام بأيدي الْمُؤمِنين المخلصين، وأنا حين أذكر التاريخ المجيد فإنما أعني تاريخ الأمة الإسلامية في مختلف العصور الطويلة الأمة التي يكون سكان جربة جزءا صغيرا منها، وتاريخ الإسلامية الكبرى لا يتمثل في أعمال الدولة التي تعاقبت على الحكم، أو تقاتلت عليه، ولا في أعمال الرجال الذين بلغوا إلى أعلى المناصب في أي عصر من العصور، إن ما قام به بعض الحكام، أو بعض الدول وما يقوم به بعضهم اليوم من ظلم أو انحراف لا يحسب على تاريخ الأمة الإسلامية؛ لأنَّه خروج عن حكم الله وعن إرادة الأمة، إن تاريخ الأمة الإسلامية إنَّما يتمثل في الأمة نفسها في الجماعات وفي الأفراد، فلقد كان منها في كل زمان وفي كل مكان من يقومون بأمر الله، ويبلغون، رسالته، ويحافظون عليها المحافظة الكريمة الكاملة دون الاستناد إلى قوة السلطة الظالمة، والاستعانة بنفوذ الدولة الجائرة، فإذا أتيح لَهُم دولة رشيدة عادلة استعانوا بها وأعانوها، وفي تاريخ جربة المثل على ذلك، فلولا القبس الحي الذي يملأ قلوب الْمُؤمِنين، ولولا الشحنة الروحية التي قدمها أبو النجاة في صدورهم لما استطاع ثلاثة آلاف من العزل أن ينتصروا على عشرين ألفا من أحلاس الحروب.
ولولا الوقفة الشريفة التي وقفها كل من عبد الْمُؤمِن، وأبي بكر، وأبي فارس في محن جربة لتغير وجه التاريخ. ولولا الأموال التي تبرع بها المنفقون في سبيل الله لما بنت المساجد المنتشرة على كامل الجزيرة، والتي يبلغ عددها نحو 360 مسجدا، ولولا الأموال التي تبرع بها الْمُؤمِنون لما شيدت المدارس ولما قامت دور العلم في مختلف الجهات، ولو أتيح لمؤرخ أن يحصي ما بني في العالم الإسلامي من المساجد
والمدارس ودور العلم على نفقة المحسنين من الجماعات والأفراد لأخذه العجب ..