الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٧٥٧الأباضية في موكب التاريخ
100
الأباضية في تونس
وفي جربة وحدها دليل كاف على ذلك، فإن جزيرة مساحتها ستمائة كيلومتر مربع يقوم
الله
مشيد
فيها ثلاثمائة وستون مسجدا دليل واضح على ما ينفقه الناس في سبيل الله. إن الزائر إلى جربة ما ينتقل من مكان إلى مكان قريب حتى يجد بيتا من بيوت الأركان عالي البنيان تتصل به مرافق الطهارة، وتحيط به دور عديدة خصصت لسكنى طلبة العلم الوافدين من الجهات البعيدة، وكل ذلك إنَّما قام به المسلمون المتطوعون، لا يريدون بذلك غير وجه الله تعالى، لم تشرف عليه دولة، ولم تنفق عليه جمعية ذات ميزانية ودخل. وإنه ليسرني في ختام هذا الفصل أن أدعو إخواني الْمُؤمنين إلى الاستمرار في عمارة بيوت الله التي أسسها الْمُؤمِنون على تقوى من الله من أول يوم، وأن يحافظوا على الصلاة فيها، وأن يعمروها بذكر الله، وأن يرفعوا صوت العلم في جنباتها، وأن يلجأوا إليها في الاتصال بخالقهم، فإن عزة الْمُؤمِنين في كل عصر وفي كل مصر إنَّما انبعثت من المسجد، وما دامت القلوب عامرة بالإيمان بالله والمساجد عامرة بعبادة الله، فإن عناية الله لا تتخلى عنهم، وما بعد ناس عن دين وهجروا مساجدهم إلا ووكلهم الله إلى أنفسهم فهلكوا .. اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا فنهلك، ولا تؤيسنا من رحمتك يا أرحم الراحمين.
الله
المجامع العلمية
في إطلاق هذا العنوان على الموضوع الذي أريد أن أتحدث عنه في هذا الفصل شي التجوز، فإن كلمة المجامع العلمية رُبَّمَا تعني عند القارئ الكريم معنى خاصا، يستوحيه من المجامع العلمية الرسمية التي تكونها الدول، وتشرف عليها لبحث مواضيع خاصة أو عامة، والذي أريد أن أتحدث عنه في هذا الفصل إنَّما هو ظاهرة تكاد تكون خاصة بعلماء جربة بعد انحلال مجلس العزابة في أواخر القرن العاشر وأوائل القرن الحادي عشر، وتكاد تكون تلك المجامع العلمية امتدادا معنويا لمجلس العزابة، التي كانت تتولى كل شيء في الجزيرة حتى تولية الأمراء