الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٧٥٨دين الله
الأباضية في موكب التاريخ
756
الأباضية في تونس
المحليين وعزلهم، فقد اعتاد أولئك العلماء منذ أن انحل مجلس العزابة بسبب تسلط الولاة عليه، ومحاربة أعضائه محاربة لا هوادة فيها، أن تنعقد مجالس العلماء مرة، أو عددا من المرات في الأسبوع، في مسجد من مساجد الجزيرة، تحت رئاسة أعلم علمائهم، وفي هذا المجلس الذي يجتمع فيه كبار العلماء لا يتخلف أحد منهم إلا لعذر، ويحضره المتعلمون من مختلف الطبقات، كانت تناقش أهم المسائل والأحداث، وتعرض المشاكل المستجدة، وتوضع بين يدي المجلس خصومات الناس ومنازعاتهم، وينظر المجلس في جميع ذلك، ويستعرضها موضوعا موضوعا، فيستنبط الأحكام للمواضيع المستجدة استنادا إلى أصول الشريعة ويفصل منازعات الناس بحكم الله، ويعلن الشيخ ذلك، وغالبا ما تدون محاضر تلك الجلسات، فيقوم الطلبة وقد استفادوا علما وعرفوا طريقة استخراج الأحكام واستنباطها من القواعد الكلية، وأنواع السلوك الذي يجب أن يتحلى به من يتهيأ للفصل بين الناس، ويقوم المتخاصمون وقد رضوا بحكم الله الذي أعلنه لهم شيخ المجلس العلمي، مكتفين بذلك، مقتنعين بأنه حق وصواب، لا يرتفعون إلى حاکم آخر، ولا يتجهون إلى قاض من القضاة الذين تعينهم الدولة؛ لأن المجلس في نظرهم وفي الواقع أكثر دقة وكفاءة في معرفة الأحكام، وحرصا على إيصال الحقوق، وأوفر أمانة ونزاهة وأبعد عن دواعي الجهل أو الخطأ، أو التأثر بالمؤثرات الخارجية؛ كالخوف أو الطمع. ولقد تعاقب على الرئاسة العلمية لهذه المجامع في زمن العزابة وبعدهم عدد من فطاحل العلماء الأعلام وكانوا يتعاقبون عليهم بالكفاءة الشخصية فقط، فلم يكن هنالك من يسند إليهم هذا المنصب الكبير لا من الدولة ولا من الأمة، ولكن بتسليم العلماء لعلمهم واعترافهم بتفوقه العلمي، وتأهله لشغل ذلك المكان الكريم، ومفهوم بالطبيعة أن هذا كان يحدث بعد انفراط نظام العزابة، أما حين كان نظام العزابة سائرا ينعقد ويقوم بمهامه، فهو الذي يسند الرئاسة العلمية إلى من يستحقها، ويسمى شيخ العزابة، ويسند الرئاسة المدينة إلى من يتوسمون
فيه القدرة على رعاية شؤون الناس ويسمى شيخ الحكم، ويكاد ينحصر عمل شيوخ هؤلاء أو الحكام المدنيين على مفاوضة الدول التي تحكم الجزيرة، أو تريد حكمها، وتسليم مقادير الضرائب التي تفرض عليها، وعندما يُحاول الإفرنج احتلال الجزيرة فإن هؤلاء المشايخ بالتعاون مع مجالس العزابة ينظمون وسائل الدفاع، ويشرفون عليها، وقد يتولون قيادة المعارك