الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٧٦٢

الأباضية في موكب التاريخ

760

الأباضية في تونس

يبدو لي عند نزول أمور مهمة مستعجلة، كالغزو الخارجي، أو عندما يريدون أن يكون نقاشهم في دائرة خاصة بعيدة عن العوام وصغار الطلبة. وهذه المجالس إنَّما كانت اجتماعات لمجلس العزابة، فلما انحل اعتاد العلماء أن يقوموا بذلك، ويحافظوا عليه، وبقوا محافظين على هذه العادة لزمن طويل حتى تغيرت أنظمة الحكم في أواخر العهد العثماني، وتسلط الحكام على العلماء، ودخلت بعض المذاهب الإسلامية إلى الجزيرة، فاستغل الحكام ذلك لزيادة التفريق بين الناس، وتوسيع شقة الخلاف، وأصبحت تلك المجالس تتضاءل حتى انقرضت أو كادت في زمن الشيخ سعيد بن تعاريت على ما يفهم من حديثه يقول التعاريتي: "وتجد أشياخ وقتنا الواحد منهم لا يصلح أن يكون أقل تلميذا لأضعفهم علماء وتجد أعلم أشياخ وقتنا مثله لا يكون مدرسا، ولا يتأهل للتدريس، ومع هذا كله تلقاهم وتجدهم لا يجتمعون على لفظة، وكل مقتنع برأيه وعلمه، وإذا صاوبت أحدا منهم يقول ما يقول، والآخر كذلك، حتى صار هذا دين لَهُم، يفنى عليه، كبيرهم وينشأ عليه صغيرهم، فمن أجل ذلك سلط الله عليهم الظلمة الغشمة، واستولى عليهم الأسافل حتى لا يعرفون قدرهم، ولا قدر علمهم، وحينئذ يقول الواحد منهم أو كلهم هذا آخر زمان، لم يعد العلم يوقر، ولم يعد له قدر وشأن ولم يعلموا أن هذا كله بإرادة الله وبسوء أفعالهم، تصديقا لقول هادي الأمة كاشف الغمة: «كَمَا تَكُونُوا يُوَلِّ عَلَيْكُمْ)، وقوله عز من قائل: {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَـ (2)، لكونه في محل ينبئ عن الباطل؛ لأن العلماء ورثة الأنبياء، وأما الظلمة والأسافل فهم في باب الظلم والتعسف، لا يعرفون الله ولا يراقبونه، جهلهم حملهم على ذلك وزيادة غاية حال زماننا كما قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُهُمْ أَراك)، فلا تجد عالما يصاوب ظالما، ولا ظالما يوقر عالما، لا داعي ولا مُجيب إنا الله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وحسبي ونعم الوكيل، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، نسأل الله تعالى السلامة والعصمة،

(3)

(1) أخرجه الديلمي في مسند الفردوس بلفظه، عن أبي بكرة. (المراجع)

(2) سورة الشورى: 30.

(3) سورة مريم: 83.