الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٧٦٣

الأباضية في موكب التاريخ

761

الأباضية في تونس

والنجاة من

فساد هذا الزمان، ومن شياطينه الإنسية والجنية آمين، وأستغفر الله من الزيادة في الكلام، وأختم قولي بالصلاة على النبي الي".

ورغم

هذه الصورة القاتمة التي وضعها الشيخ سعيد بن تعاريت لعصره وعلماء عصره، فإنني أعتقد أن ذلك العصر كان به أفذاذ من العلماء يقومون بأمر الله، ويُحافظون على دينه، ويرعون الأمة في جميع شؤونها، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويتولون تعليم شباب الأمة، وتربيته على الأسس الإسلامية للتربية، وقد أدركت بعضا من علماء الجزيرة المعاصرين له، وحضرت دروسا على بعضهم؛ أمثال الشيخ رمضان الليني والشيخ عمر بن مرزوق والشيخ محمد بن تعاريت، فكانوا أمثالا للعلماء المسلمين سعة، اطلاع، وغزارة مادة وصحة عقيدة، وسلامة دين، وشدة ورع، ونصيحة لعامة المُسلمين وخاصتهم، وجهادا في سبيل الله، وكفاحا في نشر العلم، وقد كان غيرهم في الجزيرة كثير؛ مثل الشيخ عمر العوام، والشيخ سليمان الجادوي وغيرهم. وطبيعي أن هؤلاء العلماء في عصر المؤرخ الكبير الشيخ سعيد بن تعاريت لم يستطيعوا أن يقوموا بمثل ما كان يقوم به أسلافهم؛ لأنهم كانوا تحت حكم الاستعمار الفرنسي المتغطرس، ومهما بلغ الظلم والانحراف بالحكم من الأمراء المُسلمين في كل العصور، فإنه لا

يبلغ عشر ما جاء في الاستعمار الغربي للشرق الإسلامي، والفرق في هذا واضح، فإن الأم المسلم الظالم إنَّما يظلم لشهوة عارضة؛ إما للحصول على المال، أو للانتقام، أو التحكم وإظهار السلطة. أما الاستعمار الغربي فقد جاء بخطة تحويل ما في الشرق من خيرات إلى الغرب، والقضاء على الدين الإسلامي القضاء الكامل، وإلحاق هذه الأمة بالجنسيات الأروبية، وتحويل حضاراتهم وآدابهم ولغاتهم وما إلى ذلك مِمَّا يوحي به الشيطان عندما يخدع أعوانه لينطلقوا للتخريب والإفساد والفرق بين هذا وذاك لا نسبة بينهما، ومن المستحيل بطبيعة الحال أن نطلب مِمَّن يعيش في مثل هذه الظروف أن يعمل مثل ما يعمل من يعيش في مثل ظروف أولئك العلماء السابقين على مختلف عصورهم والفوارق بينها. وقد أتيح لي أن أزور جزيرة جربة زيارة خاطفة سنة 1965 م في عهد الاستقلال والحرية، فوجدت بقايا تلك الظاهرة، ظاهرة اجتماع العلماء والطلبة لدراسة العلم ومشاكل الجزيرة

ا