الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٧٧٤

الإباضية في موكب التاريخ

الإباضية في الجزائر

دخول المذهب الإباضي إلى الجزائى

في صيف سنة 1965 م قمت بجولة سريعة في الجزائر، وكنت يوما في مجلس بحضرة العلامة الشيخ يوسف العطفاوي، وكنت أتحدث عن المذهب الإباضي فقلت: إن المذهب الإباضي دخل إلى الجزائر في أواخر القرن الأول وأوائل القرن الثاني مع تلاميذ الإمام جابر بن زيد نفسه، ومنهم سلمة بن سعد الذي طاف جميع بلاد المغرب الإسلامي، واستطاع أن

يكون بعثة علمية في المغربين الأدنى والأوسط تحمل العلم من العراق، وتسير به مع الشمس». وصبر الشيخ حَتَّى أتممت كلامي، ثُمَّ قال: إن هذا الكلام غير صحيح فإن المذهب الإباضي إنَّما دخل الجزائر مع الفاتحين؛ لأن الإباضيَّة ليس فيها شَيْء غير ما في الإسلام الذي جاء به الفاتحون الأولون الصادقون .. وعندما تقول إن المذهب دخل بتاريخ كذا فإن قولك هذا يشعر بأن المذهب شيء آخر غير الإسلام، أو أَنَّهُ يَحمل شيئًا لَمْ يكن في الاندفاعة الأولى التي حملت الإسلام إلى هذا المغرب بصفائه ونقائه. والحقيقة إن الإباضية هي الإسلام، حافظ عليه من تسمّوا بهذا الاسم، فَلَمَّا انحرف منحرفون عن الإسلام، إما بالقول، وإما بالعمل، وإمَّا بالعقيدة، وإما بها جميعًا، وقف أولئك الناس يردون ما يراد إدخاله إلى دين الله من الأباطيل، فصورتهم السياسة الماكرة بصورة حزب أو مذهب أو كتلة أو ما شئت من أسماء، وحاولت أن تجعلهم حركة منفصلة قائمة بنفسها، بينما هي في الواقع ما زالت تلك الاندفاعة المشرقة الأولى التي جاءت تحمل دين الله كما بلغه رسول الله .. ". وصمت الشيخ الوقور بعد أن أبدى لي هذه الملاحظة القيمة. فكرت في ملاحظة الشيخ فوجدت فيها كثيرًا من الْحَقِّ والواقع، فلا شك أن حملة الإسلام في اندفاعتهم الأولى كانوا يدعون الناس إلى اعتناق الإسلام، وكانوا هم أنفسهم الإسلام؛ فَلَمَّا انحرف بعد ذلك منحرفون بدين الله تفرقت جهود الأمة الداعية إلى دين

يمثلون

الله

وسلك الدعاة سبلا مختلفة. فمنهم من استمر يدعو البعداء عن الإسلام إلى الدخول في الإسلام، لا يبالي ما عليه الناس داخل الأمة، ومنهم من رجع يدعو المنحرفين ويطالبهم بإلحاح أن يتقيدوا بالمنهاج الذي رسمه دين