الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٧٧٥الإباضية في موكب التاريخ
11
الإباضية في الجزائر الله، وأن يلتزموا بأحكامه وشرائعه ومنهم من اشتط في هذه الدعوة، فغلا حتّى سلك المنحرفين بدين الله في سلك واحد من الخارجين عليه، وجاء المؤرخون الذين يسيرون في ركاب الحكام المنحرفين، يعلمون لهم عمل الصحافة الموجهة، فأخذوا يسبغون الأسماء والألقاب عَلَى كُلّ من جهر بالدعوة إلى التمسك بالْحَقِّ والعمل في سبيله، وينسبون إليهم كُلّ ما من شأنه أن يثير عليهم الناس، ويظهرهم بمظهر طائفة شاذة منفصلة عن الأمة، منعزلة بنفسها. وجاء من بعدهم الكتاب، سواء كانوا كتاب العقائد أو كتاب المقالات التاريخية، فاعتمدوا عَلَى أولئك المؤرخين واعتبروهم حجة ومصدراً، وسهل لديهم أن يقال: إن الطائفة الفلانية تعتمد كذا، وتدين بكذا، وعملت كذا وكذا، دون الرجوع إلى تلك الطائفة وأصول مذهبها .. وقد يعمد بعضهم إلى سلوك فرد أو أفراد في طائفة من الطوائف فيعتبرونه أصلا ورأيا لتلك الطائفة، ولو كانت تلك الطائفة غير راضيّة عنه ولا عاملة، به لاسيما وأن آراء المخالفين للحكام، والداعين لهم إلى التزام الإسلام في الأحكام لم يتح لها الانتشار بصورتها الحقيقية المجردة، وَإِنَّمَا قلبت فيها الحقائق، وأضيف إليها كثير في الأباطيل، لكي تصل إلى الناس مكروهة، أما كتبهم التي قد تكون صورة صحيحة أو قريبة من الصحة فقد حوربت بدون هوادة حيل بينها وبين البلوغ إلى الناس بكُلِّ وسيلة، وأحرق منها الكثير، وحرف منها البعض، وكان يكفي في نظر الحكام الظالمين، أن يقوم الناس بنقد سلوكهم، أو مطالبتهم بالعدل والاستمساك بدين الله، حتى توضع لأولئك الناس أسماء فرقة تعزلهم عن المجتمع الإسلامي، وتصورهم بشناعة، وتظهرهم بمظهر من يشق عصا الطاعة، ويحدث في الدين ما لم يكن منه، وينشق عن الأمة ويفرق كلمتها، وحتى يجد أولئك الحكام سندًا لمحاربتهم والقضاء عليهم ومبررا يحمل جمهور الأُمة على كراهتهم دون أن يعرف من حقيقتهم، أو الدوافع إلى كراهيتهم ومحاربتهم شيئا. وقد استمر الإباضية إلا النزر اليسير على المنهاج الإسلامي النظيف يُحافظون عليه في أن يحافظ عليه، ويدعون أولياء الأمر ممَّن في أيديهم شؤون
أنفسهم، ويأملون من غيرهم الله فيها، وأن يؤدوا الأمانة التي جعلها الله في أعناقهم كما أرادها الله.
الأمة أن يراعوا حق ونستطيع أن نعتبر مسلك الإباضيَّة في الجزائر سائرًا على منهجين واضحين: