الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٧٧٨

الإباضية في موكب التاريخ

14

الإباضية في الجزائر

تكوين البعثات اليوم، ولبيان ذلك يحسن بنا أن نعود إلى إعادة بعض ما سبق أن تحدثنا عنه في الحلقات السابقة في هذا الكتاب.

كان سلمة بن سعد الذي تحدثنا عنه غير مَرَّة فيما مضى من أنشط الدعاة إلى الاستمساك بدين الله، كما أخذه من كبار التابعين أو بعض تلاميذهم، وكان يندد بأعمال الظالمين والمستبدين لا يفتر ولا يسكت ولا يقر في مكان، ولم يكن سلمة الرجل الوحيد الساخط على الوضع.

فقد كانت النقمة عَلَى الانحراف بالحكم، تعم العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، غير فئة قليلة من المنتفعين بالوضع، والمغترين بالجاه والمنصب وكان علماء الأُمَّة في هذا الصدد ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:

منه

1 - قسم غير راض عن الوضع فهو ينتقد، وينقم عليه، وَلَكنَّه في نفس الوقت يقف موقفاً مسالما، لا يجهر بالنقمة، ولا يدعو إلى الثروة، خوفا من فتنة تضر بالأُمَّة أكثر مما تصلح، وتشتت منها أكثر مما تجمع.

-

أحكام

وقسم هو الآخر غير راض عن الوضع فهو ينتقد الانحراف، ويطالب بتنفيذ الله والاستمساك بشريعته ولكن دون دعوة إلى ثورة تؤدي إلى فتنة جامحة؛ فإن أمن جانب الفتنة وتأكد الدعاة أن الثورة تكون في مصلحة الأمة، وأن نتائجها الحسنة مضمونة فَإنَّهُم حينئذ يطالبون الأُمَّة بالثورة والقضاء على الفساد، وَإِلا فَإِنَّهُم يكتفون بأن يقفوا موقف الناقد الصريح الذي لا يسكت عن منكر ولكنَّه لا يرفع سيفا، وهذا رأي الإباضيَّة ولذلك سَمُّوا أنفسهم "أهل الدعوة" فهم لا ينفكون عن الدعوة إلى الْحَقِّ مهما اختلفت الظروف، ولا يتجاوزونها إلى حمل السلاح إلا إذا كان ذلك لا يؤدي إلى فتنة

تضر بالأمة.

3 - أما القسم الثالث فقد كان ينتقد الانحراف ويدعو إلى الثورة غير ناظر إلى نتائجها وما تسفر عنه ولا مقدر لعواقبها وما ينبني عليها.