الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٧٧٩الإباضية في موكب التاريخ
15
الإباضية في الجزائر
وَلَعَلِّ علماء الأُمَّة يكادون يُجمعون على أن الحكم بعد الخلافة الرشيدة قد انحرف عن
مجراه الطبيعي في النظام الإسلامي، باستثناء خلافة سيدنا عمر بن عبد العزيز. وَلَكِنَّهم رغم اتفاقهم أن الحكم قد انحرف فقد اختلفوا في معالجة هذا الانحراف حسب شخصياتهم وقربهم وبعدهم من الحكم وفهمهم للإسلام، وحرصهم على وحدة الكلمة ومتانة الصف، واهتمامهم بمال الأمَّة ودمها، ثُمَّ بحسب أخلاقهم ونفسياتهم وتصوراتهم لما يحدث وكيف يحدث؛ فمنهم من يرى وجوب الخضوع للأمر القائم والبر له حتى تتبدل الأمور، ومنهم من يرى وجوب الإسراع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتشدد في النقد، والدعوة إلى الاستعداد على المدى الطويل حَتَّى يصلح الحال أو يأتي الظرف الذي لا تخشى فيه الثورة، ولا تؤدي إلى الإضرار بمصالح الأمة، ومنهم من يرى المسارعة إلى الضرب عَلَى أيدي العابثين وكف المعتدين بثورة عاجلة دون مصابرة أو انتظار، ودون تقدير للنتائج ولا ما ينال الأمة بعد ذلك.
وكان سلمة في الفريق الثاني من أولئك الذين يرون أَنَّهُ يَجب على المسلمين أن ينتقدوا الانحراف وأن ينهوا عن المنكر، ولكنَّه لا يتعجل بالثورة ولا يدعو إلى رفع السلاح إلا حينما يكون ذلك في مصلحة الأمة بالتأكيد، ولا ينجم عنه شر أكبر.
وكان يرى أنَّه لكي تفهم جماهير أمة هذا فَلا بُدَّ من وجود نوابغ من العلماء الذين يفهمون أسرار الشريعة، فلا يخدعون بالطمع في مظاهر الدنيا، ولا تجوز عليهم الحيل التي يلجأ إليها أنصار الحكم القائم، وصبغه بالشرعية القائمة، ووجوب الطاعة بتحريف معاني نصوص كريمة، ولذلك فلم يكن يدعو إلى الثورة وهو يجوب البلاد من العراق إلى المغرب الإسلامي، وإنَّمَا كان يقصر عمله على ناحيتين: الناحية الأولى: أن يبين للناس - لا سيما في المغرب الإسلامي حيث لم يستقر كبار الله - أن ما يرون في سلوك الأفراد الحاكمين
العلماء، ولم يتمكنوا بعد من إيضاح دين ليس هو ما جاء في دين الله، وأن هؤلاء الحكام قد خالفوا أمر الله في عباد الله وأموالهم