الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٧٨٩الإباضية في موكب التاريخ
25
الإباضية في الجزائر الأولى المرشح للإمامة عند الثوار، وهذا في ظنه طبعا؛ فصبر عبد الوهاب على دعاة الفتنة حتى أغراهم تساهله معهم وزين لهم الأماني والأحلام فدبروا مكيدة لقتلة، ولكن المكيدة لم تنجح، فافتضح بها أمرهم وانكشف سرهم، فأعلنوا الثورة، وأقدموا على الحرب، وذلك أَنهم تحينوا حَتَّى علموا أن الإمام عبد الوهاب خرج من المدينة وكان لشأن من الشؤون، فهجموا عليها فجأة ودون إنذار، ولكن أهل المدينة دافعوا عن أنفسهم، وانتصروا على دعاة الفتنة .. وَلَمَّا رجع الإمام عبد الوهاب وكان وصوله بعد نهاية المعركة وجد على باب المدينة جئنا ملقاة، ودماء، مراقة وظواهر تنبئ عما حصل، وأخبره الناس بما وقع فأمر بالقتلى من الفريقين فجمعوا ثُمَّ جعلوا في صفوف، وصلى على الجميع اقتداء بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب في وقعة الجمل، ثُمَّ أمر بدفن الجميع. قال الباشا الباروني في الأزهار صفحة (112) ما يلي: «ثُمَّ عاد الإمام من سفره، ووجد القتلى في أماكنها، والناس على أثر حرب مهولة في رعب وانزعاج، فاستغرب السبب وسأل فأخبر بالواقع، فأمر بجمع قتلى الفريقين وصفت صفوفًا وصلى على الجميع صلاة الجنازة، تطيبا لنفوس بقية أتباع ابن فندين وتأنيسا لهم وتأليفا لقلوبهم». لم يكن يزيد بن فندين وأنصاره ينتقدون شيئًا عَلَى عبد الوهاب في سيرته وأحكامه،
عنه
وَلَكِنَّهم استندوا في الإنكار عليه والدعوة إلى عزله أو قتله بعد مبايعتهم له على نقطتين: الأولى: أنه بويع له بالإمامة وفي رجال الدولة من هو أعلم منه، فإمامته في دعواهم باطلة، وهم قد حضروا البيعة - ماعدا شعبيا - وعقدوها، وكان ابن فندين حسب أقوال المؤرخين أحرص الناس على إمامة عبد الوهاب. الثانية: أنهم طالبوه أن يعين مجلسًا للشورى من أفراد معدودين محدودين معروفين، ولا
تتجاوزهم الشورى إلى غيرهم، ولا تمضي الأمور دون اتفاقهم، ولا يتصرف الإمام بغير رأيهم. وقد أخذت مناقشة هاتين النقطتين بين الدعاة والمعارضين لها كثيرًا من الجهد والوقت، وَلَمْ تقتصر على علماء المغرب، وإنما تجاوزتهم إلى علماء المشرق وقد اهتم بها أولئك العلماء أيضا، وبحثوها على ضوء ما عرفوا في سنة النبي وسيرة الخلفاء الراشدين.