الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٧٩٠الإباضية في موكب التاريخ
26
الإباضية في الجزائر
وقد أجيب عن النقطة الأولى: أن المسلمين أجازوا عقد الإمامة لرجل وفي الأُمَّة من هو أعلى منه، استنادًا إلى ما فعله أصحاب رسول الله الله فقد بايعوا أبا بكر بالخلافة وزيد بن ثابت
أفرض منه وعلي بن أبي طالب أقضى منه معاذ بن جبل أعلم منه بشهادة رسول الله. ولا خلاف بين الأمة في هذا، مع إجماع الأمَّة عَلَى إمامة أبي بكر إلا ما يذكر عن بعض الغلاة في بعض فرق الشيعة، وأولئك الغلاة لا يعتد برأيهم، ومثل ما وقع في خلافة أبي بكر وقع في خلافة بقية الخلفاء الراشدين، وحسب المسلم أن يهتدي بأولئك النجوم الذين قال فيهم رسول الله الله: «عَلَيكُم بِسُنَّتِي وَسُنَّة الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِن بَعدي» (1). وقد أجيب عن النقطة الثانية: أن هذا المجلس لم يكن في خير القرون وأن الخلفاء الراشدين لله لم يحددوا للشورى ناساً بأعيانهم لا تتجاوزهم الشورى، ولا تقضى الأمور بدونهم، ثُمَّ إِن تكوين مجلس للشورى على هذا الوصف يكون سببا لتطويل الأحكام، والحيلولة دون تنفيذ الحدود، وقد يحول دون إمضاء الإمام لمهام الأمور التي يقع الضرر على الأُمَّة أو على الدولة بتأخيرها. وهكذا وقفت الدولة دون مطالب ابن فندين، وآزرها في ذلك جميع العلماء والأئمة،
ولكن ابن فندين تشدد في تلك المطالبة حَتَّى استحل بها الدماء وأشعل نار حرب
ضحيتها.
- الثورة الثانية: إنَّمَا كان الدافع إليها تعصب مذهبي محض، فقد كانت الجزائر في ذلك الحين موطنا لعدد من المذاهب الإسلامية وكان بجوار تاهرت وتحت حكمها أعداد وافرة من القبائل القوية الغنية على مذهب الواصلية من المعتزلة، وكانوا أصحاب علم ومال وفروسية؛ فأنفقوا من البقاء تحت حكم الدولة الرستُميَّة والرضا بسلطانها عليهم رغم أنهم لا ينتقدون عليها شيئا في سيرة أو حكم، وكانوا يفضلون أن يكون أئمة الدولة من رجال المعتزلة، وأن تسير الدولة تحت رعايتهم؛ فعملوا لقلب نظام الحكم كما يقال اليوم، وكونوا جيوشا جرارة
(1) رواه أبو داود والحاكم وابن ماجة وابن حبان والترمذي عن العرباض بن سارية، وقال: حسن صحيح.
(المراجع)