الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٧٩١الإباضية في موكب التاريخ
27
الإباضية في الجزائر
دربوها عَلَى القتال تدريبا متقناً ثُمَّ دعوا إلى الثورة، فوقعت بينهم وبين الإمام عبد الوهاب مناوشات ثُمَّ مقاتلات عنيفة حَتَّى توجس منها خيفة، ثُمَّ انتصر عليهم في موقعة حاسمة وقتل في المعركة رؤساء الثورة ودعاة الفتنة وهدأ بقية الناس وسكن المشاغبون، وساد الأمن واستقرت أوضاع الدولة.
-
- الثورة الثالثة: كان الدافع إليها هو الجهل والغرور، فقد كانت بعض القبائل البدوية الكبيرة، ذوات العدد الوافر في الرجال والأنعام تعيش على تربية المواشي، تتبع مواقع الغيث ومواطن الخصب، وكانت في إبان الربيع غالباً تقترب من تاهرت واقتربت في سنة من السنوات كالعادة من العاصمة، ونزلت بمضاربها وأنعامها على بعض التلال والأودية المخصبة المحيطة بالمدينة، وكان وجوهها وأعيانها يدخلون إلى العاصمة لقضاء مصالحهم، ويرتادون أسواقها لعمليات البيع وشراء وكانوا يحضرون إلى المسجد ويصلون وراء الإمام، ويستمعون إلى دروس وعظه وإرشاده، ويشاركون في بعض ما يعن من الأمور، ويعرض من الشؤون في المسجد، لتجري فيها مشاورة العامة والخاصة.
وكانوا يرون تواضع الإمام ولينه وقبوله للنصيحة فيعجبهم منه ذلك، ويغريهم بإبداء الآراء له،
وتوجيه النصيحة إليه حاسبين أنهم يخدمون بذلك الدولة، ويقدمون خدمة للأمة والوطن. وكان في المدينة بعض من يصطادون في الماء العكر، ويضربون بأيدي غيرهم من يريدون ضربه، فأرادوا أن يستغلوا سذاجة هؤلاء وأن يستخدموهم في مآربهم، فاتصلوا بهم وأوحوا إليهم أنهم يحترمونهم لمساعيهم في الخير، وأن الإمام أيضا يستمع إليهم ويأخذ برأيهم، ثُمَّ أوهموهم أن بعض الموظفين في الدولة مفسدون يحتاجون إلى تغيير، وأنهم بطلبهم ذلك من الإمام وعملهم لإبعادهم أولئك الموظفين يقدمون خدمة للأمة، يستحقون عليها الأجر من الله والشكر من الناس، وصدَّق أولئك البداة وسوسة هؤلاء فذهبوا إلى الإمام وطلبوا أن يخلي لهم المجلس فأخلاه لهم وقدموا إليه كشفًا بأسماء بعض الموظفين والقضاة يطلبون عزلهم وتعيين آخرين مكانهم، فشكرهم على إخلاصهم ونصحهم واهتمامهم بأمر المسلمين، ثُمَّ طلب منهم أن يعودوا إليه في الغد، ووعدهم أن ينظر في الموضوع بينه وبين رجوعهم، وتحرى الإمام عن الموظفين والقضاة المطلوب عزلهم فلم يجد ضدهم شيئًا، وَلَمَّا رجع القوم إليه في اليوم الثاني