الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٧٩٢

الإباضية في موكب التاريخ

28

الإباضية في الجزائر

لمعرفة النتيجة أخبرهم الإمام أَنَّهُ لَمْ يجد شيئًا يدين به أولئك الموظفين، وطلب منهم إيضاح الأسباب إذا كانت لديهم أسباب، ويبدو أن أصحابهم الذين استغلوهم لم يزودوهم بشيء فلم يجدوا ما يبررون به طلبهم، ولكنَّهم أصروا عليه؛ فَلَمَّا لم يستجب لهم الإمام خرجوا من مجلسه، وبدلا من أن يغضبوا على أولئك الذين استغلوا سذاجتهم وضحكوا على ذقونهم، و سخروهم للانتقام دون سبب، بدلا من ذلك غضبوا على الإمام؛ لأنه رد وساطتهم، وَلَمْ يأخذ بجانبهم ويستجب لطلبهم، وكانت الأيدي الخفية لا تزال تنفتح في أوداجهم، وتحرك فيهم نعرة الجاهلية حتَّى بيتوا أمرًا فأبعدوا منازلهم عن العاصمة قليلا، ثُمَّ بدؤوا يستعدون لضرب العاصمة، ويعدون المقاتلين لذلك كانت أخبارهم تصل إلى الإمام عبد الوهاب فيتلكا ويصبر عساهم يدركون خطأهم ويرجعون عن غيهم، حَتَّى تأكد لديه عزمهم على مهاجمته في المدينة فخرج إليهم وصفعهم صفعة أدب ردت إليهم أحلامهم، وأفهمتهم أن الدعوة إلى الفتنة ليست من أخلاق المؤمنين.

- الثورة الرابعة: هَذه الثورة كان الدافع إليها عاطفة شخصية محضة، وأنانية عمياء بغيضة، وكان لرئيس قبيلة كبيرة بنت اشتهرت بالعقل والأدب والجمال.

وذكرها الناس في مجلس الإمام وذكروا مزاياها فخطر له أن يخطبها أولا لفضائلها، وثانيا لتوثيق الصلة بينه وبين قومها، وتقدم فعلا لخطبتها وتزوج بها، وكان هناك رئيس قبيلة أخرى يحلم بالزواج من تلك الفتاة ويذكر ذلك في مجالسه الخاصة بين أصدقائه، ولكنَّه لم يتخذ الخطوة العملية، وَلَمْ يتقدم إلى الخطبة، فلما سبقه الإمام حسب ذلك تعديا عليه ومراغمة له وتحديا لمركزه؛ فأظهر الغضب وأكثر النقد وخرج من العاصمة يدعو إلى الثورة فاستجاب له ناس مِمَّن يستجيبون لكُلِّ دعوة، ويتبعون كُلّ ناعق في كُلّ عصر .. ووقف الإمام معه موقف الصبر والأناة معتقدا أن الزمان كفيل بإرجاعه إلى منهج الرشد، ولكن الرجل التزم طريق الغي وأوغل فيه، وكان يزيد كُلّ يوم شدة وتماديًا حتى بلغ به وبمن مه ه خداع النفس، والاستهانة بأحكام الله أن استحلوا لأنفسهم استعراض الناس وقطع الطريق والولوغ في الدماء، فلما بلغوا إلى هذا الْحَدّ خرج إليهم الإمام فصفعهم على أقفيتهم صفعات ردت إليهم، رشدهم، وعرفهم أن الْحَقِّ أحق أن يتبع.