الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٧٩٤الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
فعل غير أنه خيرهم في المنفى فاختاروا أصلح مكان الحركتهم، واستطاعوا أن يجمعوا حولهم عددًا من الأتباع في أقل مدة وتظاهروا بأنهم مظلومون، مضطهدون، وجهزوا جيشًا وهجموا على العاصمة في سرية تامة وعلى حين غفلة، بدلا من أن يلاقيهم الإمام بالقلة التي معه فتقع مذبحة، فضل أن يُخلي لهم المدينة فخرج حَتَّى سمع به الناس والتحقوا به وتكامل لديه جيش قوي يستطيع أن يردع به المعتدين ورجع بجيشه وحاصر العاصمة، وكان جيشه يزداد قوة كُلّ يوم، وكان عدد البغاة ينقص كُلّ يوم حَتَّى يئسوا من موقفهم وسلموا، فرجعت الأمور إلى نصابها، وسار الإمام بالدولة في النهج القويم الذي عرفناه لأسلافه.
- الثورة الثامنة نشأ لليقظان أخي الإمام ولدان يبدو أنهما حقدا على الإمام وأضمر ا له الشر زمنا طويلا، إلا أن ذلك لم يعرفه عنهما أحد، وواتتهما فرصة في يوم من الأيام فوتبا على الإمام فقتلاه ونصبا والدهما إمامًا على الدولة، ولكن فرحتهما لَمْ تَتم فقد أعرض عنهما الناس وتبرءوا منهم، ثُمَّ لَم يلبث أن قدم عليهم أبو عبد الله الحجاني فقتل الوالد والولدين وبقية أفراد الأسرة، وانتهت الدولة الرستُميَّة بذلك، ولله الأمر من قبل ومن بعد. هَذه أهم الثورات التي قامت خلال قرن ونصف من حكم الدولة الرسمية حسب المصادر التي بين يدي، لَمْ أترك منها شيئًا إلا بعض مناوشات أو مخالفات لا تبلغ أن تُسمى ثورة؟ کمواقف فرج النفوسي المشهور بنفاث، وهي مواقف لَمْ تبلغ إلى حمل السلاح أو دعوى العصيان أو الخروج، وكحماية بعض القبائل لقتلة ميمون، وعدم تسليمهم إيَّاه للدولة حتى أرغمتهم الدولة على التسليم، واقتصت ممن يجب عليه القصاص. وكالمناوشة الخفيفة التي قام بها ابن خلف فلحق به أبو منصور في جربة وأخذه معه إلى
الجبل فتاب وصلح، أمره، حَتَّى أصبح يُسَمَّى الطيب ابن الخبيث ابن الطيب.
وإذا رجعت أيها القارئ الكريم إلى تأمل الثورات السابقة ومعرفة أسباب اندلاعها فإنك لن تجد فيها مبررًا واحدًا لقيامها، أو على أقل تقدير لا تجد فيها سببًا واحدًا متصلا بسيرة الأئمة، أو يكون وسيلة للطعن عليهم في عدالتهم ونزاهتهم للحكم؛ فابن فندين يريد أن يفرض نفسه على الدولة، وَلَمَّا لَمْ يجد مكانًا تذرع بإدخال شرط في الإمامة، فَلَمَّا لَمْ يوافقه عليه أحد ثار حتى قتل.