الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٧٩٥الإباضية في موكب التاريخ
31
الإباضية في الجزائر
والمعتزلة حملهم على ذلك تعصب مذهبي وهي حركة قامت وتقوم في كُلِّ مكان، ولكنَّها ليست عَلَى كُلّ حال طعنًا في سلوك الإمام.
والبداة الذين خيل إليهم غرورهم أن الإمام أهانهم بعدم استجابته لمطالبهم تَدلُّ ثورتهم عَلَى
كفاءة الإمام ونزاهته.
أما العاشق والولهان فهو نموذج من النماذج الموجودة في الدنيا، والتي لا يَدلُّ تصرفها إلا على الإغراق في الخيالات والأحلام.
أما خلف فقد خطر له أن يجعل الولاية، وراثية، ولكن الإمام وقف له بالمرصاد. أَمَّا المؤامرة التي ذهب ابن عرفة ضحية لها فقد مس رشاشها الإمام، ولكنها في الواقع جريمة
دبرت في الخلفاء، وهي دليل على براعة مدبرها في الإجرام لا على إدانة الإمام. أما الثورة التي قمعها أبو حاتم فهي لَمْ تتذرع بأنّهام الإمام بأي شَيْء، وَإِنَّمَا كانت تزعم
أنها حرة التصرف. أما الثورة الأخيرة فهي ليست ثورة وَإِنَّمَا جريمة اغتيال تدين القائم بها فقط.
وإذا كان رؤساء غيرها في الدول من أجل إقرار السلام يقتلون بالعشرات ويسجنون بالمئات، بل بالآلاف لأسباب سياسية محضة لا تبيح القتل أو السجن، فإن أئمة هذه الدولة قد سلمت من التلوث بالدماء البريئة والمصادر التاريخية التي بين أيدينا لم تذكر لنا حادثة قتل
واحدة في عهد الدولة كله ما عدا ابن عرفة الذي لا يستطيع أحد أن يجزم بمعرفة قاتله الآن، وحتى دعاة الثورة أو الفتنة أو دعاة الشعب لم يكن أئمة الدولة الرستمية يتناولونهم بالعقوبة حتّى يبدؤوهم بالعدوان، وحينئذ تقابلهم الدولة في صف القتال، فإذا انتهت المعركة بانتصار الدولة على المشاغبين توقفت الدماء وتوقف التتبع، ولَمْ يسع الانتقام لما سبق الحرب من أعمال ضد الدولة أو ضد رجالها، اللهم إلا أن تكون العقوبة حدا من حدود الله، فَإِنَّهُم حينئذ لا يتأخرون عنها مهما كانت العواقب