الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٧٩٨

الإباضية في موكب التاريخ

34

الإباضية في الجزائر

السكان،

تاهرت حربا نكون قد تجوزنا كثيرًا في التعبير؛ لأن تاهرت في ذلك الحين لم يبق بها من آثار الدولة الرستُميَّة إلا الرماد متمثلا في اليقظان قابعًا عَلَى كرسي وعلى جانبيه ولداه؛ أَمَّا عدا ذلك فقد انفض عنه؛ لأن سخط الناس عليه بلغ نهايته فتركوه وتركوا نصره في حكمه، وكانوا ينظرون إليه في تشف وسيوف الحجاني تقطع أوصاله. وعلى كُلِّ حال فقد هجمت الدولة العبيدية بجيوشها عَلَى تاهرت التي كانت عاصمة للدولة الرستُميَّة فخرَّبت المدينة وأحرقت مكتبة المعصومة وقتلت من بقي بها من وطاردت من تشرد منهم في الآفاق. هذه هي كُلِّ الحروب التي قامت بين الدولة الرستمية وبعض الدول الأخرى، ولقد رأى القارئ الكريم أن حربين منها كانتا مناوشات صغيرة سببها سوء تصرف الجند الأغلي، وأنها سرعان ما انتهت حينما اتفقت الدولتان على وضع حد لتلك المشاحنات، فهي ليست سوى مناوشات مما يقع عادة على أطراف حدود الدول والممالك بين الجند

والناس. أَمَّا الحربان الأخريان فلم تكن فيها الدولة الرستُميَّة مقصودة بالذات بالحرب، ولا كانت قاصدة للعدوان على غيرها، وَإِنَّمَا طبيعتها الجغرافية التي جعلتها تفصل بين دولتين متعاديتين كانت السبب في أن تقع الحرب في أرضها، وأن تضطر للمشاركة فيها فعملت في المرة الأولى على رد ابن طولون عن أرضها، وحاولت في المرة الثانية أن ترد ابن الأغلب عن

هي

ذلك.

أما الحرب الخامسة فلم تكن حربًا بالمعنى الصحيح، وَإِنَّمَا كانت عبارة عن خلع باب مخلوع، ونَحرِ بو (1) محشو بالتين.

(1) البو: هو جلد حوار يُحشى تبنا ويقرب إلى الناقة فتحن عليه وتدر اللبن فتحلب. وفي المثل: "فلان أخدع من "بو" لأن البو تخدع به الناقة فتظنه ولدها حيا فتدلا عليه.