الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٧٩٩

الإباضية في موكب التاريخ

35

الإباضية في الجزائر

الدولة الرستمية بين الحرب والسلام

لو رجع القارئ الكريم إلى دراسة تاريخ الدولة المجاورة لبني رستم لوجدها - ما عدا الدولة الرستمية- في حالة حرب مستمرة، فهي إما مشغولة بحروب داخلية تعمل على تهدئتها وإطفاء نيرانها، وَإِمَّا مشغولة بالدفاع عن نفسها؛ لأن دولا أخرى مجاورة تهاجمها وتريد القضاء عليها، وتروم الاستيلاء عليها واحتلال بلادها، وإما أن تكون هي التي

ترغب في التوسع والسيطرة، وتوزع هجماتها عَلَى ما تستضعفه من البلاد والدول. ويندر أن تَمرَّ بِهَا فترة سلام، ولذلك فإن تلك الدول كانت قد اتخذت جندا كثيف

تدفع لهم المرتبات، ومهمتهم الوحيدة هي القتال في الدفاع أو الهجوم. وكان يهمها أن يكون ذلك الجند مشغولا دائمًا بالقتال أو بالتفكير والتخطيط له فهم حين يستقرون يسأمون من الفراغ، ويشغلون أنفسهم بتدبير المؤامرات، مستجيبين لدعاة الانقلابات الذين يتحينون الفرص وينتظرون اللحظات المناسبة.

أما الدولة الرستُميَّة فقد كانت تعتمد في جميع حروبها سواء كانت مع هجوم خارجي أو فوران داخلي - على التطوع فعندما تحتاج إلى جيش من المقاتلين، يعلن الإمام ذلك ويدعو الناس إلى حمل السلاح لرد عدوان أو حفظ أمن فيندفع الناس إليه متطوعين بأزوادهم وأسلحتهم دون إكراه ودون طمع في أي مكسب؛ لأن الدولة لا تدفع لهم أي أجر على قتالهم، ولا تسمح لأحد أن يأخذ شيئًا من الغنائم والأسلاب

منهم

ما دام القتال بين طائفتين من المسلمين. ولا شك أن كثيرًا من الناس يفضلون عدم الاشتراك في الحرب أو في المعركة الدائرة إما لانشغالهم بأعمالهم الخاصة، أو لعدم اقتناعهم بأهميتها، أو غير ذلك من وجهات النظر، فيتخلفون عن تلبية الدعوة والدولة لا تلومهم عَلَى ذلك، ولا تحملهم على استجابة الدعوة بالقوة.

فالدولة الرستمية هي الدولة الوحيدة في ذلك الحين التي ليس لها جند قابع في الثكنات ينتظر التعليمات، ويحلم بالمكاسب والمغانم من وراء الحرب والغارات.