الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٨٠٠الإباضية في موكب التاريخ
36
الإباضية في الجزائر
الخارج.
وقد نتج عن هذا الوضع الذي كانت عليه الدولة الرستُميَّة في عدم وجود جند معد للقتال، مستعد على الدوام نتيجتان واضحتان في جميع المعارك والحروب التي وقعت بين الدولة الرستمية وخصومها، سواء كانوا ثوارًا في الداخل أو دولا مهاجمة من النتيجة الأولى: أن الدولة الرستُميَّة غالبًا ما تصاب بالخسائر في الهجمة الأولى وقد تخرج من العاصمة في بعض الأحيان حَتَّى يتسامع الناس ويتلاحقون ويتأهبون لرد العدوان أو قمع الثورة ثُمَّ يقدمون على ذلك فتكون لهم الكرة وذلك؛ لأن الهجوم المفاجئ لا يقابله جند مستعدون للحرب على جميع الأحوال يجدهم في مقابلته متى حضر، وَإِنَّمَا يقع الهجوم المفاجئ والناس في أعمالهم الحرة موزعين في مختلف الميادين. وبعد أن يهجم ويسمعون به يتجمعون ثُمَّ يدفعونه.
النتيجة الثانية: ما يكاد يتجمع المتطوعون ويعطفون على مقاتليهم حَتَّى ينتصرون عليهم بسهولة؛ لأن المتطوع إنَّمَا جاء يحارب عن حرمه بمبدأ أو عقيدة فهو يستميت في دفاعه، ويبذل في الثبات ما يملك من جهد وقوة.
أما الجندي المأجور فهو إِنَّمَا يحارب امتثالا لأمر، قائد وانتظارًا لمنفعة عاجلة من سلب أو غنيمة؛ فإذا خشي على نفسه، أو علم أنَّه لن يكسب شيئًا من وراء القتال سهل عليه الانهزام، وبرر في نفسه سبب الإدبار؛ فلذلك كان الجيش المتكون من المتطوعين الذين يحاربون عن عقيدة ومبدأ أبسل وأشجع وأصبر وأقوى دائما من الجند المرتزق الذي يتخذ القتال مهنة، والجندية حرفة يعيش بها؛ فالجندي المتطوع جاء بالدافع النفسي يطلب الموت، أما الجندي المرتزق فقد جاء يطلب ما يتمتع به في الحياة، وشتان بين من يقدم على الحرب طلبًا لما بعد الموت، ومن يقدم عليها طلبًا للمتاع والحياة والسلامة، ولهذه المعاني كانت الجيوش الإسلامية منذ حملت الدعوة متطوعة لا تعرف الانهزام، فَلَمَّا دخلها الجند النظامي كما يُسَمَّى - وأصبحت الجندية مهنة للارتزاق بدأت تفشل في مواصلة الفتوح، ثُمَّ فشلت في حماية نفسها أيضا.