الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٨٠١الإباضية في موكب التاريخ
37
الإباضية في الجزائر
والدارس لتاريخ الدولة الرستمية يبدو له في وضوح أَنَّهَا لَمْ تكن دولة توسع ترغب في امتلاك البلاد، وأن الأقطار التي كانت تحت لوائها إنَّما انضمت إليها برغبتها الجماعية، أو برغبة الأغلبية الساحقة، وهي تقتصر عَلَى هَذه الرغبة في مد حكمها؛ فمن آوى إليها آوته، ومن ازور عنها تركته. وقد كان على حدودها في بعض الأحيان دول صغيرة ضعيفة يسهل احتلالها والسيطرة عليها، وكان في بعض الجهات من حدودها بلاد لا تخضع لأيَّة دولة، وَإِنَّمَا على نظام عشائري خاص بها، وكان من الميسور على الدولة الرستمية ابتلاع تلك البلاد وقبائلها ولكن الدولة الرستُميَّة لَمْ تحاول أن تضم إليها تلك الدويلات الصغيرة وتلك القبائل المتناثرة في جوارها، وَإِنَّمَا كانت تبني معها علاقات المودة والصداقة وحسن
الجوار.
منهم
تقيم
وأحسب أن السبب في ذلك إنَّما هو ما التزمته من السيرة التي تسير عليها، فهي تكره إراقة الدماء، وتخشى أن تلوث سيوفها بالدماء الحرام، وأيديها بالمال الحرام، ويهمها أن يأوي إليها أتباعها راضين راغبين عَلَى أَنَّهُ ليس لها أية فائدة تجنيها من الاستيلاء على غيرها بالقوة، ما دامت لا تفرض عليهم ضرائب، ولا تأخذ غرامات، ولا تجمع في حروبها معهم غنائم، ولا تضع في خزائنها المالية شيئًا من أموالهم المغصوبة أو المصادرة، ولا تكون منهم جندا مرتزقًا ينتظر الأوامر بالزحف كما كانت تفعل الدول التي تطلب التوسع، وتسعى للسيطرة على أكثر ما يمكن من البلاد؛ لأجل ما تحصل عليه من المكاسب المادية بالغنيمة والضريبة والغرامة والمصادرة.
وكانت الدولة الرستُميَّة من القوة بحيث لا يطمع فيها الطامعون.
وهكذا كفت يدها عن الغير وكف الغير يده عنها، فقد مر عهد عبد الرحمن كله دون أن تتعرض الدولة لحرب دفاع أو هجوم ومر عهد عبد الوهاب كله ولم تتعرض الدولة لحرب دفاع أو هجوم، ما عدا حادثتين بسيطتين مما يقع على الحدود بسبب الاحتكاك. ومر عهد أفلح كله وعلى طوله دون أن تتعرض الدولة لحروب دفاع أو هجوم. ومرّ عهد أبي بكر دون أن تتعرض الدولة لحرب دفاع وهجوم ومر عهد أبي اليقظان الطويل