الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٨٠٦الإباضية في موكب التاريخ
42
الإباضية في الجزائر
وأقنعوه أن الطريق بالنسبة إليه غير مأمونة (1) فأناب عنه من قام بالحج، ومكث بالجبل سيع سنوات يلقي الدروس في مسجده المعروف إلى الآن.
وفي هذه السنوات السبع كلها كانت أمور الدولة على أحسن ما يرام .. سلام دائم، وعدل شامل واستقرار تام وبعد ذلك رجع إلى عاصمة الإمامة "تَاهَرْت" فلبث هناك أربع سنوات أخرى يشتغل بالتدريس والتأليف وكانت الدولة تسير سيرتها الطبيعية آمنة مطمئنة مستقرة. وَلَمَّا أحس بدنو الأجل لَمْ يهتم بمن يتولى الإمامة من بعده، فإن حالة الأمة حينئذ كانت لا تدعو إلى الخوف من فتنة أو نزاع وكان في موقفه هذا مقتديا بالرسول.
الثالث: عندما توفي الإمام عبد الوهاب وأتم الناس تشييع جنازته إلى مقره الأخير، اجتمع العلماء والأعيان وأصحاب الشورى وناقشوا موضوع الإمامة، فاتفقوا بالإجماع على اختيار أفلح بن عبد الوهاب وقد كان أفلح من الظهور والبروز والتميز في حال لا تسمح لظهور منافس له في هذا الموضوع، كما أنه كان قد تدرب على تصريف الأمور وإدارتها والتمرس على حل مشاكل السياسة ومعالجتها في عهد والده لمدة طويلة، ولذلك فقد استمرت أمور الدولة كأَنها لَمْ تنتقل من يد إلى يد أخرى، وَإِنَّمَا جرت على نفس الوتيرة وبنفس الأسلوب، واستمرت الدولة عَلَى حالها من السلام والاطمئنان والعدل إلى نهاية إمامة أفلح، وعندما أحس بدنو الأجل لم يهتم بموضوع الخلافة من بعده، وَإِنَّمَا تركها شورى بين
المسلمين يختارون لها من يشاؤون كما تركها أبوه من قبل، وكما تركها رسول الله الله. الرابع: بعد وفاة الإمام أفلح اجتمع الناس اجتماعاً سريعا وتداولوا في أمر الإمامة، وكانت الأكثرية الغالبة مائلة إلى أبي بكر بن أفلح، وإن كانت قد ارتفعت بعض الأصوات المعارضة أثناء المناقشة ذابت واختفت وسط الأغلبية، وتمت بيعة أبي بكر في صورة إجماع كامل، وسار الإمام أبو بكر بالإمامة على النهج السابق فترة من الزمن، ثُمَّ حبكت مؤامرة قتل فيها شخصية من الشخصيات البارزة في الدولة هو ابن عرفة، ونتج عن هذه المؤامرة فتنة
1) وقد أثبت التاريخ صدق ظنهم فقد حج حفيده أبو اليقظان، ولم يكن حينئذ أميراً ولا وليا للعهد، ولكنهم مع ذلك اعتقلوه وبقي في السجن سنتين، وَلَمْ يطلق سراحه إلا لأن الخليفة الذي اعتقل في عهده توفي وتولى من بعده خليفة جديد فأطلق المساجين لهذه المناسبة.