الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٨٠٧الإباضية في موكب التاريخ
43
الإباضية في الجزائر
عارمة استبدت بالدولة والأمَّة زمنًا .. تنازل بعدها أبو بكر عن الإمامة بإشارة من أصدقائه حقنًا للدماء على الأرجح أو من نفسه عزوفًا عنها واعتزال السياسة وما يتصل بها، فلم يظهر له أثر فيها فيما بعد.
الخامس عندما وقعت الفتنة بمؤامرة قتل ابن عرفة وتنازل الإمام أبو بكر عن الإمامة اجتمعت الأطراف المتخالفة ودرسوا موضوع الإمامة بعد أبي بكر، وبعد تلك الفتنة العارمة ووقع اختيارهم عَلَى أبي اليقظان مُحَمَّد بن أفلح فكونوا فيما بينهم لجنة أرسلوها تعرض الموضوع عليه فقبل من اللجنة بشرط أن لا تثار مشاكل الفتنة السابقة، وكانت اللجنة أيضا تحب ذلك فقبلت وبلغت الأطرف بقبول أبي اليقظان، وتمت بيعة هذا الإمام بالإجماع، فسار بالدولة أحسن سيرة مدة أربعين سنة، ولَمَّا أحس بدنو الأجل لَمْ يهم أيضا بموضوع الخلافة؛ لأن الدولة كانت عَلَى أحسن ما يكون من الازدهار والسلام والأمن، وكانت الأمَّة عَلَى أحسن ما يكون من الازدهار والانسجام والوفاق، فتركها شورى بين المسلمين يختارون لها
من يشاؤون.
السادس: بعد وفاة الإمام أبي اليقظان سارع الناس إلى ترشيح أبي حاتم، وارتفعت الأصوات من الساحات والشوارع تدعو إلى بيعته، وكان غائبا في مهمة بعثه إليها الإمام السابق، فلما رجع تلقفته جماهير الناس خارج المدينة يعزونه في الإمام ويبايعونه بالإمامة، وكانت الجموع تتهافت عليه حَتَّى غصت بهم الحارات والأزقة، وقصدوا به إلى المسجد الجامع حيث صلى بهم الظهر وتمَّت له هناك البيعة بالإجماع تقريبا، وقلت تقريبا؛ لأن عمه يعقوب بن أفلح كان موجودًا فلم يبايع ولَمْ يعارض، ويبدو أنه وجد في نفسه، ولذلك فقد وقف موقفا سلبيًا واعتزل في "زواغة" بعيدا عن مجرى الأمور. ثُمَّ حدثت أحداث وقعت فيها فتنة دعا فيها الساخطون على الإمام عمه يعقوب، وعرضوا عليه البيعة فقبلها منهم، ثُمَّ أدرك خطأه فاعتزل ورجع إلى "زواغة"، وأطفأ الإمام نار الفتنة فهدأت الأمور واستقامت السيرة، ورجعت الحال إلى ما ألفه الناس أيام الازدهار، وعلى حين غفلة وثب ولدان لليقظان على عمهما أبي حاتم فقتلاه ونصبا أباهما على الإمامة، ولكن الأمة