الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٨١٣الإباضية في موكب التاريخ
49
الإباضية في الجزائر وبعد سبع سنوات رجع الإمام إلى عاصمة إمامته فوجدها على أحسن حال .. الأمن منتشر، والعدل قائم والاقتصاد مزدهر وفرص الحياة متساوية، ورغد العيش قد شمل الناس جميعا؛ فاشتغل هناك أيضا بهوايته المفضلة: الدراسة والتدريس، تاركا الشؤون السياسية بين يدي من هي عندهم تسير في نظام واستقرار». قال عنه الباشا الباروني في الأزهار (صفحة 142 ما يلي: وبالجملة: فقد نشر في تلك المدة من درر البيان وجواهر التبيان ما اهتدى به كُلّ جاهل، واستضاء به كُلّ مظلم، وتنبه به كُل غافل من علوم زاهرة ومواعظ زاجرة، وأحاديث فاخرة، عطفت عليه الألباب، وأخضعت له الرقاب، فاتسعت حلقة مجلسه المهيب وانتظم في سلك عقدها العلماء الراسخون، وأمها من الفقهاء والعلماء والأدباء والعباد وأهل الصلاح من نفوسة وغيرهم من يثلج ذكرهم الصدور .. ويملأ حديث مفاخرهم ومزاياهم الدفاتر والسطور» وقال الباشا الباروني في نفس الكتاب صفحة (163 ما يلي: وكان له عدة رسائل وأجوبة مفيدة جدا في فنون شتى، بعضها موجود وبعضها مفقود قال ابن الصغير: وكان لعبد الوهاب كتاب يعرف بمسائل نفوسة الجبل كتبت إليه في مسائل أشكلت عليها فأجابها عن كُلّ مسألة ممَّا سألت عنه، كان هذا الكتاب في أيدي الإباضية، مشهورًا عندهم معلومًا يتداولونه قرنًا عن قرن إلى أن لحق الفضل فأخذته من بعض الرستميين فدرسته، ووقفت عليه، وله أقوال مشهورة معتمدة في كتب الفقه وغيرها». وَلَعَلَّ القصَّة الآتية تعطينا صورة أوضح عن شغفه بالدراسة، فقد ذكر غير واحد من المؤرخين أن الإمام عبد الوهاب بعث ألف دينار إلى أعوانه بالمشرق ليشتروا بها كتبا ويرسلوها إليه، فاتفق رأيهم عَلَى أن يشتروا بها كلها ورقا، وأن ينسخوا له فيها كتبا وقد فعلوا، وَلَمَّا بعثوها إليه وكانت مكتبة عظيمة قيمة سهر لدراستها والاطلاع عليها حتى فلاها وورقة ورقة، فقال: "الحمد لله الذي علمني جميع ما فيها إلا مسائل، ولو سئلت
كتابا كتابا
عنها لأجبت قياسًا كما قررت في الكتب". أحسب أن ما تقدم يكفي لإعطاء صورة عن الإمام عبد الوهاب واضحة المعالم، والحقيقة أن غياب الإمام عن عاصمة الدولة ومركز الحكم مدة سبع سنوات دون أن يخاف هو على