الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٨١٤الإباضية في موكب التاريخ
50
الإباضية في الجزائر
مرکزه ودون أن يحدث أي شغب يستدعي حضوره ودون أن يحدث ما يعك والسلام، ودون أن يتمتع هو بلذة الحكم المباشر ومظهر السلطان الذي لا تتم الأمور بدونه، ويكتفي أن يعيش كما يعيش أي مدرس في قرية نائية من أطراف الدولة دليل كاف على ما تتمتع به تلك الأمة من حكم رضيت عنه وسعدت به، وما يتمتع به موظفو الدولة من نزاهة واستقامة وعدل. ولا شك أن صلاح الرعية إنما يتم بصلاح الراعي. إِنَّمَا
-
الإمام الثالث للدولة الرستُميَّة هو: أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن بايعه
الناس بعد وفاة أبيه بالاختيار العام دون استخلاف أو وصية أو ترشيح، وقد بايعوه مباشرة بعد وفاة الإمام دون تردد أو منافسة من أحد، فقد كانت شخصية أفلح وعظمته وتفوقه في جميع الميادين أدعى إلى أن تتجه إليه جميع الأنظار، أحق بأن تتضاءل أمامها كُل المواهب والكفاءات .. ولذلك فقد تمَّت له البيعة في يسر وسهولة؛ لأن أحدًا لَمْ تحدثه نفسه بأنه أو غيره يحلم أن تسند إليه الإمامة وأفلح موجود.
وأفلح نفسه لم يشعر بهذا الانتقال من شخص عادي بين الناس إلى إمام يرجع إلى أمره ونهيه جميع الناس؛ ذلك لأن عظمته وكفاءته، وقوة شخصيتة ومحبة الناس له والتفافهم
حوله وإعجابهم بكُلِّ أحواله جعله يتقدم إلى منصب الإمامة متئدا مطمئنا متطامنًا. أخذ العلم عن أبيه وجده ومن عاصرهما من كبار العلماء حَتَّى بلغ درجتهم وتفوق على بعضهم، وأصبح من الأئمة المعدودين والعلماء المشهورين انفرد بأقوال في علم الكلام اعتبر من أجلها إماما.
وعندما وثقت به الأمة وأسلمت إليه مقاليد الدولة، وشرفته بالبيعة تلقى الأمانة كما يتلقاها المؤمن الحريص، وكان لحظه العظيم قد تركها له الإمام السابق كأحسن ما تترك دولة مسلمة عَلَى أمة مسلمة دولة عادلة عَلَى أمة مطيعة تخشى الله، وتخضع للحق، مستقرة في كنف العدل، آمنة في حكم يقدر المسؤولية ويتحمل أعباءها وعمال وموظفون أمناء نزهاء، يخافون الله أكثر مما يخافون القانون ويخشون حساب ضمائرهم أكثر مما يخشون حساب
الناس، ويفرون من حر جهنم أكثر مما يفرون من سوط الجلاد.