الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٨١٦الإباضية في موكب التاريخ
52
الإباضية في الجزائر
مناقب في شأنه تَدُلُّ عَلَى علو كعبه في السياسة وحبه للإنصاف والعدل، وإجرائهما حتـ على ذويه .. ناهيك أنه تمكن من تأليف القلوب بعد افتراقها، والتوفيق بين مصالح المذاهب
المتنافرة، والقبائل المتشاكسة، وإرجاع الدولة إلى ما كانت عليه من العمران والحضارة». أحسب أن الصور السابقة لا تعطينا كامل الخطوط التي تحدد معالم صورة هذا الإما. العظيم، وَلَعَلّ الإمام أفلح يعتبر أعظم من تولى الإمامة في المغرب الإسلامي، وأنا حين أطلو هذا الحكم أضع في الاعتبار مراعاة تطبيق أحكام الإسلام وتنفيذها مع طول المدة وإقبال الدنيا، وفيضان الثروة بين جميع الطبقات.
وبناء عَلَى هَذه الأسس فإن الدارس لتاريخ الحكم في المغرب لا يجد من جمع بين غزارة العلم ودقة الفهم، والاطلاع الواسع على التشريع الإسلامي، والبراعة في النقد والأدب، ثم الشجاعة التي تضرب بها الأمثال وقوة الإدارة والتصميم وحضور الذهن عند الأزمات: ومراعاة العدل والإنصاف، ومراقبة الله في جميع ما يأتي وما يذر، مع طول مدة في الحكم بلغت نصف قرن أو يزيد، والأمة في رغد ورفاهية وأمن وسلام داخلا وخارجا مثلما جمع أفلح بن عبد الوهاب.
الإمام الرابع في الدولة الرستمية هو: أبو بكر بن أفلح بن عبد الوهاب: بايعه الناس بعد وفاة أبيه على شيء من الاستعجال والتسرع، ويبدو أن الاستشارة لم تكن كاملة؛ فقد كان بعض الناس غير راضين، إلا أن أصوات المعارضة القليلة قد ذابت في الكثرة الغالبة، وصمتت بسرعة، ودخلت فيما دخل فيه الناس، فوافقت الأغلبية في اتجاهها وبايعت. كان أبو بكر علمه الغزير، ومعرفته بالأدب وفنونه وشغفه بمجالسة العلماء والأدباء جم الحياء مع دين وورع وتقى، متواضعا سريع الثقة بالناس، ودودًا عطوفا محبا لجميع الناس .. وَلَعَلْ هَذه الصفات والأخلاق الكريمة هي التي جعلت الأكثرية الغالبة تميل إليه وتحبه وتسارع إلى مبايعته بالإمامة .. وهي أيضا نفس الصفات والأخلاق التي جعلت الأصوات ترتفع بالمعارضة خشية عَلَى الدولة من هذه الأخلاق الكريمة نفسها. وكان لأبي بكر صهر يعرف بابن عرفة يملك كثيرًا من صفات الزعامة، فهو جميل وقوي وغني وكريم، حسن التصرف ذو لباقة في الحديث ومعرفة بأساليب الدهاء والسياسة، يحسن