الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٨١٩

الإباضية في موكب التاريخ

الإباضية في الجزائر

تفاصيلها فيما بعد، واتهم فيها أبو بكر فتوقف أبو اليقظان في الموضوع، واتخذ جانب الحياد لمدة طويلة، وتتبعته نفوسة في ذلك الموقف، حتّى استبان الْحَقِّ وعرف أنها مكيدة يراد بها القضاء على أبي بكر والدولة، فانضم إلى أبي بكر ثُمَّ جرى صلح اعتزل فيه أبو بكر الإمامة،

واختار الناس أبا اليقظان فقبل منهم البيعة واشترط عليهم أن لا تثار الحزازات السابقة. ودخل المدينة وشَمَّر عن ساعد الجد والنشاط والعمل، وطال عهد أبي اليقظان، وكان عهدًا مزدهرا شبيها بعهد أبيه أفلح وجده عبد الرحمن استقرت فيه الأمور واستراح الناس وكثرت الثروة، وعمرت البلاد وتوفرت مجالات الحياة لجميع الطبقات، وقد طال عمر أبي اليقظان حتّى قارب المائة، وعندما حان أجله كان أكبر أولاده اليقظان في الديار المقدسة لأداء فريضة الحج، وكان ولده يوسف على رئاسة جيش يحرس قافلة تجارية كبرى آتيه من المشرق فتوفى الإمام وأكبر أولاده غائبان.

قال عنه الباشا الباروني في «الأزهار الرياضيَّة (ص 239) ما يلي: «وثابر له على إصلاح ما انثلم في أثناء تلك الحروب حَتَّى عادت الناس إلى خطة سيرها القديم في سبيل العمارة والنجارة والبنيان، واشتغلوا بطلب العلوم وقضاء ما فاتهم في فترة السنين القاسية التعيسة من العبادة، نادمين على ما اجترموه من السيئات وما أضاعوه من الأموال وما سفكوا من

الدماء».

ويقول الباروني في «الأزهار» صفحة (240 ما يلي: «وأسرع السير في التقدم في الإصلاح دينا ودنيا، حَتَّى أجمع الناس قاطبة على حبه، وولايته والرضا بأحكامه، وبلغ في الفضل والعدل والورع والزهد مع حسن السيرة، مبلغا عظيما استحق به تشبيه ولايته بولاية جده الإمام مع عبد الرحمن الله، إذ كان كمثله في الإنفاق على ولايته، واشتغل -رحمه الله - بتجديد ما اندرس من الدين بكمال جد واجتهاد يباشر إلقاء الدروس وتعليم العلوم للطالبين بنفسه طلبا للأجر وقيامًا بالواجب، وترغيبا للغير، فشدت إليه الرحال من كُلِّ الأقطار فقلد الواردين عليه من جواهر فنونه وغرائب علومه العقود الثمينة، وكانت من اليد الطولى

والقدح المعلى في سائر الفنون حَتَّى صاروا قادة ومصابيح يهتدي بهم في الآفاق في د. المشكلات، ويلجأ إليهم في المعضلات، وامتلأت عموم ولايته بالعلم والعلماء والزهاد