الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٨٢١

الإباضية في موكب التاريخ

الإباضية في الجزائر

لقد نقل المؤرخ الصادق ابن الصغير المالكي هو معاصر لأبي اليقظان هذه القصة التي سيهزأ بها أولئك الذين ملأت المادية أذهانهم، وشغلت أفكارهم وعقولهم، فاحتلت عندهم الموازين والقيم، وذابت في نظرهم السدود والحدود بين الحلال والحرام.

قال ابن الصغير (1): «قال أحمد بن بشير قال لي سابق خرج أبو اليقظان يوما إلى منزله الذي كان اختصه "بتسلونت" يتفقد سائمته، وعبيده وأبطأ في انصرافه إلى أن دخل الليل. قال أبو سابق فحططت عن الفرس وربطته على مدرة، وخرجت لآتى له بعلفه من عند حريف له، فألفيته وقد أغلق حانوته فملت إلى بيت المال ففتحته، وأخذت منه علف الفرس وأغلقت عليه، ثُمَّ رجعت إلى موضعي في القصر، وإذا بأبي اليقظان قد افتقدني مرة بعد أخرى فَلَمَّا رأيته صعد إليه خادم فأخبره بمجيئيء، فقال له: أصعده إليَّ. وكان يستريح إلي ويسألني عن أخبار الناس فقال: وما حبسك؟ وما أبطأ بك؟ فأعلمته خبر الحريف وغيبته، وفتحي بيت المال وأخذي العلف منه، وتعليقي إياه للفرس، فقال: آه يا أبا سابق؟ والله لا نام ولا أكل ولا شرب حَتَّى تمضي وترد في بيت المال ما أخذت منه. قال: فمضيت والله في ليلتي تلك حتَّى أتيت الحريف، وأخرجته من داره وأخذت منه علف الفرس، ثُمَّ مضيت وانتزعت المخلاة عن الفرس فكلت ما بقي وأتممت ما أخرجته من بيت المال، ورددته فيه وعلقت ما بقي عَلَى الفرس ومضيت إليه، فأصبته جالسًا ينتظرني.

محمد

فقال: ما وراءك يا أبا سابق؟ فأعلمته بما صنعت فقال لي: أحسنت؟ أما الآن فاجلس. فمات أبو اليقظان فكل شيء وجد له من العين في تركته سبعة عشر دينارا، وكان لأبي اليقظان في إمارته وقائع صارت تاريخا لموالد الناس». ويعلق الباشا الباروني عَلَى هَذه القصة فيقول في «الأزهار» (صفحة 251) ما يلي: «هذه حاله، وقد حكمها من "تاهرت" بالمغرب إلى أراضي سرتا بالمشرق فهكذا والله العدل، وهكذا الزهد والورع، وهكذا كان الخلفاء الراشدون من أصحاب النبي أهل الإنصاف

والفضل».

(1) انظر هذه النقولات عن ابن الصغير في كتاب الباروني: الأزهار الرياضية، ص 240 …