الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٨٢٢

الإباضية في موكب التاريخ

58

الإباضية في الجزائر

إن رجلا يحكم ما بين "تَاهَرت" وسرتا مدة أربعين عاما لا يُجيز لنفسه أن يستعير من بيت المال صاعا من شعير عشاء للفرس عَلَى أن يرده في اليوم التالي، ثُمَّ عندما عندما يتوفاه الله ويحصي الناس التركة التي خلفها إبان حكمه لأغنى منطقة في المغرب الأوسط مدة أربعين سنة يجدون أن تلك الثروة لا تتجاوز سبعة عشر دينارا. لا شك أن أي إنسان ولو كان يحترف المسألة يعيش أربعين سنة في ذلك العهد المزدهر يستطيع أن يوفر أكثر من هذا المبلغ الذي لا يمكن أن يعتبر تركة لحاكم أبدا، اللهم إلا أن يكون حاكما مسلما حريصًا عَلَى الإسلام.

أن رجلا بهذا الوصف حقيق أن يضرب به المثل في حياة البشرية الطويلة، وأن يجعل قدوة لمن تسند إليهم الأمم أمورها، وتكل إليهم رعاية مصالحها وتوجيه سياستها.

فلما

6 - الإمام السادس للدولة الرستُميَّة: أبو حاتم يوسف بن مُحَمَّد: في أواخر أيام أبي اليقظان خرج اليقظان إلى المشرق، حاجا، أَمَّا أبو حاتم يوسف فقد كلفه أبوه بالخروج إلى ملاقاة قافلة كبيرة آتية من المشرق ليتولى حراستها حتّى تصل سالمة وفي غيابهما، اليقظان في الْحَجِّ، ويوسف في حراسة القافلة، توفي الإمام -رحمه الله - فتشاور الناس فيمن يتولى الإمامة بعده فمالت الأغلبية إلى أبي حاتم ونادى الناس بإمامته وهو غير موجود، رجع لاقته الجماهير بالبيعة على أبواب المدينة إلى المسجد، وتسامع الناس بذلك فبادروا إليه، وأجمعوا على بيعتة من كُلّ أنحاء البلاد التابعة للدولة الرسمية. وعزم الرجل أن يقتفى أثر سلفه الصالحين، وأن يسير في النهج القويم الذي ساروا عليه .. غير أن زوابع حدثت فقد سعى بعض المفسدين إلى الفتنة ودعوا إلى الثورة وهجموا عَلَى العاصمة على حين غفلة، فاضطر الإمام إلى الخروج منها، ثُمَّ استغل دعاة الفتنة الإمام فدعوه إليهم، وعقدوا له البيعة مع أن بيعة أبي حاتم في أعناقهم وفي عنق عمه أيضًا، وعندما استفاق أبو حاتم من ذهول المفاجأة وجمع أنصاره حوله كرَّ بهم على المدينة، ووقعت بين الإمام وبين دعاة الفتنة عدة وقائع ذهبت فيها دماء وأموال، ثُمَّ بدأت كفة الإمام ترجح وبدأت تظهر الحقيقة للذين أنجروا وراء الفتنة دون وعي فصاروا ينفصلون عنها ويعودون إلى الإمام، وأخيرا دعا دعاة الصلح فاستجاب له الطرفان وبقيت الإمامة بيد صاحبها الشرعي، وذهب عم الإمام إلى