الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٨٢٣الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
"زواغة"، وخضع أصحاب الفتنة لنظام الدولة، ودخل الإمام أبو حاتم إلى عاصمة الإمامة، وقد أجمعت عليه الأمة بعد الفتنة كما أجمعت من قبل، واجتمعت على محبته القلوب، وعرف الناكثون فضله عليهم، فسار بالدولة كما سار بهما أسلافه الصالحون.
قال الباشا الباروني في «الأزهار» صفحة (266 ما يلي: «فَلَمَّا وصل إلى باب المدينة ازدحم الناس من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن يساره فبايعوه فما وصل المسجد الجامع إلا وقت الظهر فأصعدوه المنبر وبايعوه وكبروا حوله». وبعد أسطر يقول: «فتمت له البيعة وخلصت له الإمامة، بدون إنكار ولا معارضة من أحد، إلا ما كان خفيفا». وبعد أسطر يقول: فشمر أبو حاتم المباشرة أموره عن ساق الجد، وسار سيرة أسلافه
الصالحين، واستقام له الأمر، وأجمع الناس وسلمت بمواطن العامة من جهته». وقال الأستاذ عثمان الكعاك في «موجز التاريخ العام للجزائر» (صفحة (201) ما يلي: «لَمَّا رجع أبو حاتم إلى مدينة "تيهرت" اقتفى سيرة أبيه خطوة خطوة، فقدم للوظائف من يستحقها، فرجعت الأحوال إلى أحسن حال، ورتبت الأمور، واستتب الأمن وانتصب النظام، وكان قد لحق المدينة شيء من الفساد في الأخلاق، فشمر صاحب الشرطة عن ساعد الجد، وقمع عمل المفسدين وقطع دابرهم واستأصل جرثومتهم، وأقام للفضيلة صروحها العوالي، وتبع قطاع الطرق والمغتصبين للسابلة، ودمرهم تدميرًا وقضى عليهم، وكان القضاء جاريًا على أحسن حال، والعدالة منشرحة الصدر، وضاءة الجبين والناس قد عادوا إلى أن غدر به بعض أبناء أخيه فقتلوه لحاجة في أنفسهم». لعل القارئ الكريم يرى أن الصور التي وضعتها أقلام المؤرخين لهذا الإمام تتناسب مع
الصور عرضناها من قبل لأسلافه الأئمة السابقين وتتلاءم معها تلاؤما تاما.
ويكاد الإباضيَّة يجمعون عَلَى أن هؤلاء هم الأئمة المعترف بهم في الدولة الرسمية، ويتوقف بعضهم في أبي بكر، أمَّا غير هؤلاء الأئمة ممَّن تولى الحكم فيها، فلا يزيد عن أن يكون مدعيا للحكم لا يجرؤ أن يدعي لنفسه الخلافة كابن مسألة، أو في موقف البغاة كيعقوب ثُمَّ ندم وتاب، أو يكون في حكم السلاطين والملوك كاليقظان آخر حكام الدولة الرستمية.