الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٨٢٥

الإباضية في موكب التاريخ

61

الإباضية في الجزائر

يسير بها ابن عرفة والعظمة التي يستمتع بها بين الجماهير، وأنه في إمكانه أن يراقب ذلك من قصره ليتأكد من حقيقة الحال، ونقب أبو بكر فتحة في قصره لينظر منها إلى موكب ابن عرفة في مجيئه وذهابه، ورأى ذلك بنفسه، فاستشار أصحاب المؤامرة في الخطوة التالية فأشاروا عليه أن يدعوه إلى نزهة منفردين، وأن يبقيا هناك يوما كاملا حتّى إذا جاء وقت صلاة المغرب، وقام ابن عرفة إلى الصلاة أشار إلى عبد من عبيده بقتل الرجل وتَمَّت المؤامرة ما خطط لهذا المستشار، فَلَمَّا قتل ابن عرفة زمله العبد في ثيابه.

وذهب به مع الإمام إلى مكان فأخفوا فيه الجثة، ورجع الإمام كأن شيئًا لَمْ يقع، وتحير أهل ابن عرفه حين أبطأ عنهم في أوَّل الليل، فبعثوا جواسيسهم إلى قصر الإمام موجود وأن ابن عرفة ليس معه، فباتوا عَلَى هم وقلق، وفي الصباح تفرق الناس للبحث عن ابن عرفة حتّى وجدوا أثر الدم وتبعوه حَتَّى أخرجوا الجثة من المغارة التي خبئت فيها، وأركبوه فرسه وجاءوا به إلى المدينة يمسكه بعضهم ويدعون إلى الأخذ بثأره من أبي بكر. هذا ملخص القصة وقد انساق إلى تصديقها بعض من عنى بالكتابة عن الدولة الرستمية في هذا العصر، أمثال الزعيم الكبير الشيخ سليمان باشا الباروني، والأستاذ مُحَمَّد عَلَى دبوز، ويبدو لي أن كلا الكاتبين قد أخذا القصة مسلمة، وإن كان كُلّ واحد منهما كان في تصديقها وتعليلها وروايتها متأثراً بجانب معين من ظروف الحياة التي يعيشها.

فالزعيم الباروني وقد كان قريبا من قصور السلاطين في تركيا، وذا معرفة بما يدور فيها من مؤامرات ويحاك من دسائس ويجري من أحداث، وبكثرة ما يسمع من ذلك كان يسهل عليه تصديق أمثال هذه المؤامرات وغيرها، ولذلك فهو لَمْ يناقشها بحس المؤرخ الذي يُحاول أن يعيش ظروف الفترة التي يؤرخ لها؛ وَإِنَّمَا ناقشها بالإحساس الذي يعيش به فعلا في تركيا في ذلك الحين. وقد كانت المكايد تجري من حوله في كُلّ لحظة، فرواها متأثراً بما يعرفه من تدبير السلاطين لاغتيال من يخشونه على عروشهم، ويعللها بنوعية الأحداث التي تقع في قصور تركيا، وما يشابهها من القصور الملكية المستبدة الباطشة في حال القوة، والمكايد في حال الضعف. أمَّا الأستاذ مُحَمَّد عَلى الدبوز فقد كان يفتش عن المرأة في هذه القصة كما هو شأنه في من أحداث التاريخ، وقد تناول بقلمه الغزل أم أبي بكر ودخل إلى مخادع أفلح و

كثير من