الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٨٢٩

الإباضية في موكب التاريخ

الإباضية في الجزائر

أبو بكر بن أفلح وروايات ابن الصغير

لا شَكٍّ أن المؤرخين الكبيرين الباشا الباورني، ومُحَمَّد عَلَى دبور وقد اعتمدا على ابن الصغير اعتمادا كليا فيما كتبه كلاهما عن أبي بكر، وأنهما قد أخذوا ما وجداه عنده قضية مسلمة لا يتسرب إليها الشك، ولا تستدعي أي نقاش .. وهما معذوران في ذلك، فإن رسالة ابن الصغير

تعتبر من أوثق المصادر عن تاريخ الدولة الرستُميَّة، ولكني مع ذلك أستطيع أن ألاحظ ما يلي: نحن نفترض الصدق والنَّزَاهَة في ابن الصغير ولا نتهمه بالكذب والتلفيق، بدليل قوله في رسالته عن تاريخ الدولة الرستُميَّة: وأن أُتمَّ الصدق فيها، ولا أحرفها على معانيها، ولا أزيد فيها، ولا أنقص منها، إذ النقص في الخبر والزيادة فيه ليس من شيم ذوي المروءات، ولا من أخلاق ذوي الديانات، وإن كنا للقوم مبغضين ولسيرهم كارهين ولمذاهبهم مستقلين، فنحن وإن ذكرنا سيرهم على ما اتصل بنا وعدلهم فيما ولوه فلسنا ممن تعجبهم طلاوة

أفعالهم، ولا حسن سيرهم». ولا شك أنه يتضح للقارئ الكريم في هذا أن ابن الصغير كان مبغضا لأئمة الدولة الرستُميَّة، ولبغضه لهم كان لا يعجبه العدل وحسن السيرة منهم، ولكنَّه يقرر أنه رغم ذلك فهو ينقل سيرهم الحسنة وأخبارهم الدالة على الاستقامة والعدل كما تبلغ إليه ولا يغيرها؛ لأن تغيير الأخبار ليس من شيم ذوي المروءات، وواضح من هذا أن الأخبار والأحداث التي وقعت في عهد أبي بكر لم يحضرها ولم يشهدها، وإنَّما بلغته عن طرق أخرى غير المعرفة

الشخصية اليقينية الجازمة.

إن الأخبار وصلت إليه عن غير واحد فنقل ما وصل إليه وسجله في رسالته التي تعتبر اليوم من أهم الوثائق في تاريخ الدولة الرستُميَّة، فإذا أردنا أن نتأمل فيما جاء في هذه الرسالة عن الأحداث والوقائع والأخلاق في عهد أبي بكر فإننا نجد كثيرًا من التناقض الذي يهدم بعضه بعضا، وأن الرؤوس التي دبرت المؤامرة واتهمت بها أبا بكر وألصقتها به لا تزال إلى عهد ابن الصغير توالي جهودها في نفس الاتجاه .. وأن الأخبار التي بلغت إلى ابن الصغير إنَّما بلغته من هذا الجانب الذي كان يعمل على تحطيم أبي بكر والدولة الرستمية من ورائه.