الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٨٣٢الإباضية في موكب التاريخ
68
الإباضية في الجزائر
الاحتراس، والعهدة على الراوي كما يقولون، ومن المهم أن نتأمل احتراساته، فانظر إليه كيف يصوغها:
تزوج
«أخبرني جماعة»، «أخبرني غير واحد»، «قالوا»، «قالوا: وكان مُحَمَّد بن عرفة هذا قد بأخت أبي بكر»، «قالوا: فكانت الإمارة بالاسم لأبي بكر، وبالحقيقة لمُحَمد بن عرفة»، «قالوا: المنفرد بهذا الكلام أبو اليقظان خاصة دون سائر إخوانه وأعمامه»، «فالله أعلم أي ذلك كان».
هذه أمثلة من احتراسات واحترازات ابن الصغير، ويبدو منها أن الرجل كان يحس بمسؤولية تلقى على كاهله، فهو يعمل جاهدا كي يتنصل منها، ولو لم يكن يشك فيها لما حاول التنصل منها بهذا الإلحا. أما الأسباب التي دعت ابن الصغير إلى نقل هذه الأخبار مع الشك في صحتها فلربما عدم وصوله إلى الحقيقة في ذلك الحين، ثُمَّ إن الحزب الذي دبر المؤامرات ونفذها لا يزال يعمل إلى ذلك الحين، وهو يسعى إلى إثبات الجريمة كما خططتها المؤامرة، ولَعَلّ الرواة الذين نقلوا أخبار المؤامرة إلى ابن الصغير كانوا من هذا الحزب، وَلَعَلَّه كان يعرف ذلك أيضا، ولذلك فهو يشك فيهم ولكنَّه لَمْ يجد مفراً من النقل عنهم.
وبالجملة: فإن القارئ إذا كان يقرأ ما كتبه ابن الصغير عن هذه الأحداث يتبين بوضوح أن ابن الصغير نفسه كان يروي تلك الأحداث وهو يشك في صحتها وصدق روايتها، فكان يخشي أن أنه إنَّمَا بلغه ما يرويه عن بالكذب أو التلفيق، فحرص أن يخبر يتهم جماعة أو قالوه له، وَلَعَلّ القارئ الكريم يلاحظ في هذا الفصل أن نوعًا من الارتباك أصاب ابن الصغير وهو يتحدث عن هذه الفترة من تاريخ الدولة الرسمية، فهو لَمْ ينقلها لنا بلسانه ويسرد علينا أحداثها سردًا عاديًا، وَإِنَّمَا كان يشير إلى أن مبلغين بلغوها إليه، وهو رغم ذلك قد فاته شيء مهم؛ لأنه لم يذكر أسماء المبلغين عَلَى الطريقة الروائية المعروفة التي تلقى فيها العهدة على الراوي الأول للحدث، وهكذا رغم احتراسه الشديد فإن تهمة خفيفة تتجه إليه بأنه قصر في التحري والتحقيق، والنقل من الأحزاب المتعارضة، وهي كثيرة في تلك الفترة .. أو أنه عمد إلى إغفال ذكر أسماء من نقل عنهم؛ لأنهم ليسوا في المرتبة التي تسلم من
النقد.