الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٨٤٠الإباضية في موكب التاريخ
76
الإباضية في الجزائر
المسلك هو الذي سار عليه الحكام الضعفاء، لا يثبتون مراكزهم إلا بإسكات أصوات المعارضة، وخنق حريات الشعوب والأفراد، أمَّا الحاكم القوي الواثق من نفسه ومن محبة الشعب له فهو لا ينظر إلى أصوات المعارضة إلا نظرته إلى شيء طبيعي يقع خلال حكمه،. سيستفيد من حقه ويهمل باطله، ولا يهتم به إلا إذا تجاوز المعارضة القولية على مستوى النقد إلى المعارضة الفعلية على مستوى إشعال نار الفتنة، أو تفريق صفوف الأمة، أو ارتكاب أسباب الجريمة، وحينئذ يتخذ القوي موقف القوة فيضرب الضربة التي تحسم الشر، وتطفئ النار المشتعلة، وتلم شتات الصفوف المتفرقة، أو تحول دون ارتكاب الجرائم المتوقعة، وهي في كُلّ ذلك لا تتجاوز الْحَق والعدل.
إن سكوت أبي بكر على عبد العزيز بن الأوز الذي يصيح في الشوارع بالمعارضة حَتَّى بعد تمام البيعة دليل من أدلة قوة أبي بكر.
2 - الحقيقة الثانية: يقول ابن الصغير: إن الكلمة مجتمعة والدعوة واحدة والناس مقيمون على أحوالهم .. إلا أن الضغائن بين القبائل وأهل الخواص في الصدور على ما
كانت في أيام أبيه، وبين القبائل حروب تهيج ثُمَّ تسكن والبلد زائدة في العمارة». ويقول: «إلى أن قدم أبو اليقظان من العراق فوجد أخاه أميرًا، والعجم على أحوالهم، والنفوسة على مراتبهم، وسائر الناس على ما هم عليه، فلم يغير شيئًا، ولم ينكر شيئًا، ولا ادعى إمارة ولا نازع فيها أخاه».
هذه صورة حالة البلاد في الفترة التي تولى فيها أبو بكر الحكم، ما بين بيعته بالإمامة ومجيء أخيه أبي اليقظان من العراق، حسب رواية ابن الصغير طبعًا. وقد ذكر ابن الصغير أن هذه الحالة هي نفس الحالة التي كانت عليها الدولة في عهد أبيه، والمؤرخون مجمعون فيما أحسب أن أفلح يعتبر أقوى شخصية في الدولة الرستمية، ومحافظة أبي بكر على المستوى الذي كانت عليه الدولة في حكم أقوى أئمتها، واستمرار تلك الحالة طيلة فترة حكمه دليل على أن أبا بكر يتمتع بالقوة التي يتمتع بها أفلح، فإن لم يكن مثله فهو سائر في ركابه ومتأثر بخطواته.