الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٨٤١

الإباضية في موكب التاريخ

VV

الإباضية في الجزائر

ثُمَّ إن هذه الصورة التي ذكرها ابن الصغير للدولة الرستُميَّة في عهد أبي بكر تَدلُّ أن أبا بكر سار بالدولة في منهجها القويم الذي كانت تسير عليه من قبل كما تَدُلُّ هَذه الصورة أن مُحَمَّدا بن عرفة كان موجودًا، ولكن أبا بكر لم يُسند إليه شيئًا من أعمال الدولة، ولم يعتمد عليه في تصريف أمورها، وَإِنَّمَا كان يقوم بها بنفسه حَتَّى جاء أبو اليقظان فأسندت إليه كثير من المهام، فقام بها بكفاءة وجدارة ويقظة تستحق الإعجاب. ولا شك أن هذه الصورة تنسف خرافة أن ابن عرفة كان هو الأمير الفعلي والأمير بالحقيقة من أساسها، ولا تُبقي لها ظلا أو نسبة ظل. لو كان أبو بكر ضعيفًا لتفرقت الكلمة، وتغيرت أحوال الناس، وتضاربت القبائل، وخرجت الضغائن من الصدور، وتوقفت العمارة في البلد، واستولى عشاق الحكم على مناصب الدولة وتصرفوا فيها على حسب أهوائهم .. ولكن القضية كانت بخلاف ذلك؛ كان أبو بكر يمسك الأمور بحزم ودراية، فلم يستطع أحد أن يلعب بأمور الدولة، فَلَمَّا وصل أبو اليقظان اختبره أبو بكر ووثق به فاستعان به عَلَى تصريف الشؤون، وأسند إليه كثيرًا من المهام .. وهذا التصرف نفسه دليل على القوة والثقة بالنفس، وقد جرى تاريخ السياسة والحكم من هذا كثير، ولا نذهب بالقارئ بعيدًا فلقد ترك عبد الوهاب الأمور لأفلح زمنا غير قصير، ولا يستطيع أحد أن أن عبد الوهاب كان ضعيفًا، على أن أبا بكر يزعم كانت تعرض عليه نتائج أعمال أبي اليقظان مرتين في اليوم، وهذا منتهى الحزم

والقوة.

- الحقيقة الثالثة: عندما دبرت مؤامرة اغتيال ابن عرفة وإلقاء التهمة على أبي بكر لم يتخاذل ولَم يضعف، وَإِنَّمَا وقف بين الأعاصير موقف القوي لَمْ الشامخ، وعندما زحفت عليه الجماهير الغاضبة التي حركتها يد الفتنة مطالبة بقتله، وتخلى عنه حسب روايات ابن الصغير - حَتَّى أقرب الناس إليه أبو اليقظان ونفوسة تصدى وردها عن أعقابها، وثبت في مكانه حتى تمت المفاهمة