الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٨٤٣

الإباضية في موكب التاريخ

79

الإباضية في الجزائر

أبو بكر وابن عرفة

كان ابن عرفة صديقا حميما لأبي بكر قبل أن يتولى الإمامة، وزاد من صداقتهما وتوثق العلاقة بينهما تلك المصاهرة المزدوجة، وقد كانا يتشابهان في كثير من الأخلاق والصفات والميول، ويختلفان في قليل منها .. وَمِمَّا كانا يتشابهان فيه الجمال والمال و الجود ورواية الأشعار والأدب والأخبار، وحسن المسامرة والحديث والأخذ بنصيب من طيبات الحياة الحلال .. ومما كانا يختلفان فيه أن مُحَمَّدا بن عرفة كان مُحبًّا للظهور، مغرماً بالمظاهر، يهوى العظمة، يصطنع الأتباع، ويستكثر من الحواشي، ويسعى إلى قضاء مصالح الناس لتلتف حوله القلوب، وتسير وراءه الجموع، أما أبو بكر فقد كان يحب أن يعيش على النسق الذي عاش عليه في عهد أبيه، يميل إلى البساطة ويبتعد عن المظاهر، ولا يهتم بكثرة الحواشي والأتباع، ولا يتخذ المواكب الحافلة تملأ الشوارع من ورائه بالهتاف والدعاء، تتحرك إذا تحرك وتسكن إذا سكن. وكان ابن عرفة لا يرى من أبي بكر إلا الجانب الأدبي الشعري ولذلك فقد كانت نفسه تحدثه بآمال طوال عراض عندما يصل أبو بكر إلى الإمامة؛ فقد كان يعتقد أنه يستطيع أن يملأ أوقات أبي بكر بالسمر الحلو والحديث العذب والشعر الرائق والأخبار الحسان، وأن يشغله بالأدب وأخبار الماضين عن قضية السياسة والحكم ومشاكله، وبذلك يتاح له أن يتصرف في الدولة تصرف الوزير الخطير .. وجعل يسعى إلى هذا برفق ويأمل الأناة أن يصل إليه بقليل من والتبصر. وقد كان أبو بكر يرى في ابن عرفه صديقا كريما، وصهرا عزيزا ومحدثًا لبقا، بارع النكتة، لطيف المعشر، عذب الحديث، ولكنَّه كان يرى فيه أيضًا حبه للظهور وميوله للسيطرة فأبقاه في متزلته التي كان عليها قبل أن تصل إليه الإمامة .. صهرا كريما، وصديقا

حميما، ولم يمكنه من أي شيء من أعمال الدولة، فَلَمَّا وصل أبو اليقظان من المشرق عهد إليه أبو بكر بكثير من مهام الدولة التي كان ابن عرفة يتوق إليها فلم يصل، ورأى أن مساعيه قد فشلت، وأن آماله، تحطمت وأن وسائل المصاهرة والصداقة لم تؤثر على