الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٨٤٥

الإباضية في موكب التاريخ

81

الإباضية في الجزائر

ومفهوم من هذه الصورة التي نقلناها عن ابن الصغير وعن صور أخرى وردت موزعة في الكتاب أن منظمي المؤامرة قد استعدوا لها استعدادًا دقيقاً، وحسبوا لنتائجها كُلّ حساب، فهم بعد اغتيال ابن عرفة وإلقاء التهمة على أبي بكر، كانوا يخشون أن المؤامرة وتعرف الحقيقة كما أنهم كانوا يخشون أن لا يجدوا الغضب الكافي على أبي بكر

تنفضح

والنقمة عليه .. ولذلك فقد انبثوا بين الصفوف واندسوا في المجتمعات وتوزعوا في المجالس يؤججون النار، ويبثون الحماس ضد أبي بكر، ويشحنون النفوس سخطا عليه .. فَلَمَّا علموا أن النار قد اشتعلت وأن نفوسًا تهيأت وأن الفتنة فتحت أبوابها تدعو إلى من يخوضها ظهروا على السطح، وانكشفوا للناس وبادروا إلى قيادة الجماهير للدخول في حرب تراق فيها الدماء، ويبتعد الناس بعضهم عن بعض، وتموت فكرة الصلح والإصلاح في مهدها؛ فضربوا الطبول وجمعوا الحاقدين وهجموا على أبي بكر.

أما أبو بكر فقد وجهت إليه - في الحقيقة عَلَى حال غفلة طعنتان حادتان سببتا له شيئًا من الارتباك والذهول في أَوَّل الأمر، ثُمَّ تغلب عَلَى ذلك ووقف موقفه الذي يحتمه الوضع من غير أن يكون له في ذلك اختيار:

الطعنة الأولى هي ثُمَّ هو أخو زوجته وزوج أخته، ومهما يثر بينهما من خلاف فإنَّه لا يصل إلى استباحة الدم، ولا ينحدر بالكريم إلى وهدة تدبير المؤامرة والاغتيال، ويبدو أنه أصيب بنوع من الذهول عندما سمع لأول مرة باغتيال ابن عرفة، فلم تصدر عنه أية حركة لا من حيث الاستعداد لرد الفعل، ولا من حيث البحث والتحري .. وَلَعَلَّه كان يفكر فيما بينه وبين نفسه عمن عساه يقدم عَلَى اغتيال ابن عرفة وهو رجل محبوب لا ينقم عليه أحد .. وقبل أن يستفيق أبو بكر من الذهول والحيرة والارتباك فاجأته المؤامرة بالطعنة الثانية وكانت أكثر إيلاما وأشد إيذاء من الأولى، وأبعد من أن تخطر على بال إنسان، وهكذا لَمْ يستفق من حيرته حَتَّى جاءته الأنباء تتهمه باغتيال ابن عرفة وتُلقي عليه اللوم وتطالب بالثار منه .. ذلك أن المؤامرة في الواقع إنما كانت تستهدف أبا بكر والدولة الرستمية، ولم

اغتيال ابن عرفه، وهو كما يعرف القارئ الكريم صديق قديم