الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٨٥١الإباضية في موكب التاريخ
87
الإباضية في الجزائر
ويخدمه، ويعمل على توسيع شقة الخلاف بينه وبين أبي بكر بما يسكبه في أذنه من أنه خلق للإمارة والزعامة وأنَّه لولا جور الزمان لكان بالإمامة أولى وأحق، وعندما اشتد الخلاف بين أبي بكر وابن عرفة كان حريصًا عَلَى أن يشتد حَتَّى تنفصم العرى، رُبَّمَا كان يأمل أن ينتصر ابن عرفة في حركة عنف فيكون هو إلى جانبه، ورُبَّما كان يُمَنِّي نفسه بمناصب كبيرة، فَلَمَّا تحرك الناس للمصالحة بين أبي بكر وابن عرفة وبدأت الاجتماعات خشي من اتفاق الكلمة، ورأى في ذلك الهيارا لكُلِّ ما بناه، وتكذيبا لكُلِّ ما قام به، ففكر بسرعة وعرف كيف يكيد كيدا يستحيل بعده أن تتفق الكلمة، وهكذا دبّر اغتيال ابن عرفة في سر وألقى التهمة عَلَى أبي بكر، وضرب الرجلين بحجر واحد، وانطلت المكيدة عَلَى الناس .. وكان في قرارة نفسه حَتَّى بعد تنفيذ الاغتيال يخشى فشل الخطة وافتضاح الأمر، وانكشاف القائمين بتنفيذ المؤامرة كما كان يخشى ألا يصدق الناس أن أبا بكر ينحدر إلى هذه الوهدة ويرتكب هذه الجريمة التي هو في غنى عنها، وقد بقي محمود بن الوليد مستترا خفيًا، وكان أصحابه منبثين في الناس يستعظمون الجريمة، ويشحنون نفوس الناس بالغضب والحقد، ويعدونهم للمطالبة بأخذ الثأر .. ولم يظهر إلى الميدان إلا بعد أن بعث أعوانه سرا ينظرون أمر الناس، فَلَمَّا الأعوان وأكدوا له أن رجع الحيلة قد انطلت، وأن المكيدة نجحت، وأن الناس في هياج عظيم، وأنهم لا ينظرون إلا رأسًا للفتنة تقودها وثب بأسرع ما يمكن وتولى قيادة الجماهير الغاضبة؛ فذهب إلى أعلى مكان بالمدينة وضرب الطبل ثُمَّ أمر الجموع بالتسلح والهجوم على أبي بكر فظهر على حقيقته زعيما للفتنة، وهكذا تولى القيادة بعد أن تأكد أن تخطيطاته نجحت، وأنه أصبح الشخصية الأولى في الميدان، فابن عرفة الذي كان يُحبه قد قتل، وأبو بكر لا يلبث أن يقتل وهو قد تولى الزعامة يأمر وينهى فيطاع، ولم يكن يدور في خلده أبدا أن أبا بكر بعد هذا كله سوف يصمد ويرد عنه بعنف ويغلق أمامه السبيل للوصول إلى كرسي الحكم والإمارة. كان محمود حسبما يبدو متصفًا بالدهاء ودقة، التدبير وكان يوجه غيره للعمل ولا يحب أن يظهر إلا حينما يتأكد من نجاح ظهوره تأكدا كاملا.