الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٨٥٢

الإباضية في موكب التاريخ

88

الإباضية في الجزائر

أَمَّا خلف الخادم وقد عاش فترة من عمره جنديًا ففيه من شجاعة الجند وتمورهم واندفاعهم الشيء الكثير، وهذا ما يحتاجه محمود، ولذلك فقد دعا إليه خلف ثُمَّ نفخ في أذنه وكال له المديح والإطراء، ولوح له ببعض المناصب والوعود المعسولة، ثُمَّ ألقى إليه بتخطيط المؤامرة، وطلب منه تنفيذها في حرص واحتراس عظيمين، ولم يكن ذلك عسيرا عليه فإن العلاقة بينهم وبين ابن عرفة كانت وطيدة يسهل معها جره إلى أي مكان بأي

دعوة.

وصورة الحادثة في ذهني حينما علم بالجهود التي تبذل بين أبي بكر وابن عرفة خاف أن يصطلح الرجلان فدبر لاغتيال ابن عرفة وإلقاء التهمة عَلَى أبي بكر، ثُمَّ استعان على التنفيذ بخلف الخادم أو بغيره أو به وبغيره وعندما أخبره القائم بالاغتيال بإتمام المهمة رفد إلى قصر ابن عرفة أن سيد القصر ذهب في ذلك اليوم إلى الإمام، وأن إبطاءه وعدم عودته أمر يثير الاهتمام والقلق. واستطاعوا فعلا أن يشحنوا نفوس أهل القصر بالقلق والخوف، وهكذا ذهبوا يسألون فلم يجدوا جوابًا، وفي الصباح استطاعوا أن يملأوا النفوس بالشك والريبة في الإمام، ثُمَّ جعلوا يبحثون عنه كما لو كان طفلا صغيرا .. وتعاون الجميع على البحث، وكان القتلة قد مهدوا الطريق فتركوا آثار واضحة تَدُلُّ عَلَى الجريمة، ولربما قادوا الناس إلى اقتفاء تلك الآثار دون وعي أو شعور من الناس حتى أوصلوهم إلى مكان الجثة، وأذاعوا أن أبا بكر هو الذي فعل هذا. واقتنعت تلك الجماهير التي تشترك في هذه التمثيلية والجماهير حين تغضب تفقد التفكير السليم والمنطق القويم والسيطرة على المشاعر.

أما

موقف أبي بكر من هذه الحادثة فقد كان فيما يبدو كما يلي: جاءه بعض أهل ابن عرفة

يسألونه عنه فأجابهم بأنه ليس معه ولم يهتم للموضوع، فإن غياب رجل عن بيته يوما أو ليلة ولا سيما عندما يكون الرجل ذا أعمال كثيرة موزعة، وأصدقاء مخلصين في كل مكان ومحبة في كُلّ

قلب، فإن غياب هذا الرجل لا يستدعي القلق ولا يبعث على البحث والشك. إن هذه الليلة ليست أول ليلة يغيب فيها ابن عرفة عن بيته وقد كان يختار للوفادة إلى الأقاليم منذ زمان أفلح .. وفي الصباح انبعث الناس يبحثون عنه كما لو كان طفلا صغيرًا،