الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٨٥٣

الإباضية في موكب التاريخ

89

الإباضية في الجزائر

وربما كان أبو بكر يعجب لتصرفهم هذا، ويسخر في نفسه منهم، ولم يلبث أن سمع بالنكبة وبلغته الأخبار بأن ابن عرفة وجد مقتولا فتولته الدهشة وقبل أن يستفيق وصلته أنباء أخرى تلقي عليه تهمة اغتيال ابن عرفة وكانت دهشة أخرى وحيرة.

وقبل أن يستفيق من المفاجأة الثانية سمع الطبول تقرع، ثُمَّ علم أن الجموع الهادرة الساخطة مقدمة عليه تريد رأسه فوثب إلى سلاحه وانضم إليه بعض من كان قريبا ووقعت المعركة الأولى فثبت فيها أبو بكر، ولم يستطع محمود بن الوليد أن يحقق شيئا، وتكررت الوقائع ولكن أبا بكر ثبت مع القلة الذين وقفوا معه وبرغم أن المكيدة انطلت على أغلب الناس حَتَّى أبي اليقظان فاعتزلوه .. لا شك أن كُلّ فرد من الأفراد الذين وجهنا إليهم التهمة في أوَّل هذا الفصل إنَّما كان يعمل لإحدى التكتلات أو الأحزاب التي ذكرناها سابقا، أو أن كُلّ واحد منهم إنَّمَا كان يمثل جهة معينة. فمن أي التكتلات كان محمود بن الوليد وخلف الخادم؟ أَمَّا خلف الخادم فقد كان من الجند بلا شك وقد صرح بذلك ابن الصغير، فلا داعي لمزيد من البحث .. أما محمود فإن المصادر التي بين أيدينا لَمْ تصرح من أي التكتلات هو، ولذلك فلا مناص من الاستنتاج. لا شك أن محمودًا ليس من الرسميَّة، وإلا لما قام بعمله ذلك وليس من نفوسة؛ لأنّ نفوسة قد اعتزلت الفتنة فلم تشترك فيها إلا أخيرًا حين أضرم أتباع محمود وخلف النار في منازلهم وليس من العجم؛ لأن العجم وقفوا موقف المتفرج عندما قاد محمود الجماهير إلى قتال أبي بكر في الهجمة الأولى، وعندما كان ملتحما في المعركة كان العجم ينظرون إلى أقوى الفريقين حَتَّى ينقضوا عليه من الخلف ليسحقوهما معا ويخلو لهم المكان، فلم يبق إذن إلا أن يكون من العرب أو الجند واشتراك العرب والجند في المعارك وتآزرهم في جميع المواقف يَدُلُّ عَلَى أن محمودا كان من العرب، وأن خلفًا كان من الجند؛ فاشترك الرجلان في عمل واحد وكونت الطائفتان تكتلا واحدا يشبه أن يكون حزباً، وقد بقي هذا الحزب يعمل أوَّلاً بأسلوب العنف حتّى فشل، فَلَمَّا فشل بطريقة العنف استمر يعمل بالوسائل الأخرى، وقد انقضى عهد أبي بكر ثُمَّ جاء عهد أبي اليقظان ودام نحو أربعين سنة وكان هذا الحزب لا يزال يعمل، ولما جاء أبو حاتم نشط الحزب أيضًا، وكان يعمل بجد وحرص.