الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٨٥٤الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
ويكفي للدلالة على هذا أن نقتطف من ابن الصغير ما يلي: «وكان مشايخ البلد من غير الإباضية قد استولوا عليه أي أبي حاتم - منهم رجل يعرف بأبي مسعود وكان كوفيا فقيها بمذاهب الكوفيين، ومنهم شيخ يعرف بأبي دنون وكان على مثل صاحبه من الفقه الكوفي، ومنهم رجل يعرف بعلوان بن علوان ولم يكن من أهل الفقه، ولكن كانت له رئاسة في البلد ومحبة عند العوام، وكانوا هؤلاء قد طمعوا أن يبيدوا خبر الإباضية ويطفئوهم».
ولا شك أن ابن الصغير وهو المؤرخ الأمين قد أخذ كثيرا من الأخبار عن أفراد من من هذا الحزب أو التكتل، وقد امتد تكتله كما رأيت إلى نهاية خلافة أبي حاتم، يستعلن أحيانًا ويختفي أحيانًا أخرى، يعمل في ميدان المجابهة، والتحدي ويعمل في ميدان البحث والمناقشة والفكر، ويعمل في ميدان المؤامرة والكيد.
بقي لي أن أقول للقارئ الكريم إِنَّني في هذا التحليل قد جاريت رواية ابن الصغير واعتمدت عليها، أما لو أردنا أن نعتمد رواية الدرجيني فإن قضيَّة المؤامرة والاغتيال تبتعد عن بيت الإمارة كما ذكر أستاذنا الفاضل الشيخ بيوض -حفظه الله ورعاه- إذ أن الدرجيني يذكر أن خلافا شديدا وقع بين أبي بكر وابن عرفة أفضى إلى مشادة وحمل سلاح، ثُمَّ إِنَّه وقع اغتيال ابن عرفة من يد مجهولة فاشتد الشقاق حَتَّى وصل أبو اليقظان فاجتمعت عليه جميع الأطراف بعد عديد من المساعي، ومهما كانت التحليلات فإن الذي أستبعده كُلّ الاستبعاد أن يتهم أبو اليقظان بتدبير المؤامرة، وأن يتهم أبو بكر بتنفيذها وهما أقدر على قتل ابن عرفة إذا استحق القتل شرعًا، وأنزه وألطف من أن يلوثا أيديهما بدماء بريئة ..
والله أعلم بحقيقة الوقائع، ولا يعلم الغيب إلا الله ..
وإني أستغفر الله تعالى إن كان اجتهادي خطأ، فما بحثت إلا عن الحقيقة، وما أردت إلا
الصواب والتوفيق من الله تبارك وتعالى.