الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٨٥٦

الإباضية في موكب التاريخ

92

الإباضية في الجزائر

عاصم السلماني)

نشأ عاصم في قبيلة "سَدارَتَه"، وكان ينتقل معها بين جبال أوراس تارة في الشمال وتارة في الجنوب فشب قوي البنية قويم الخلق، سليم النفس ذكي الفؤاد، مع شيء من حدة الطبع، وصلابة الإدارة وقوة العزم في تصميم وإقدام. قرأ القرآن الكريم وعرف مبادئ الإسلام القويمة، وحضر مجالس العلم وكان يصغي إلى رجال العلم في الدين وهم يتحدثون عما يدعوه إليه الإسلام ويطالب المسلمين بالاستمساك به، وإلى ما زاغ به ناس جرفتهم مطامع الحياة فكان يتحرق شوقا إلى مزيد من المعرفة، ولكن الأحوال التي كانت عليها بلاد الجزائر في ذلك الحين، وما كانت عليه من ثورات وحروب كانت تثور كُلّ يوم في كُلّ جهة، كانت تحول دون استمرار الشباب في الدراسة، ولذلك فقد كان عاصم يتألم في صمت لحرمانه، ويتأسف في أسى لوجوده في تلك الظروف المتقلبة .. فَلَمَّا بلغه ما يدعو إليه سلمة بن سعد، وما تزدان به المساجد ودور العلم في البصرة من بلاد العراق صمم على السفر، وكان وهو يعد نفسه يلتمس الرفيق والزميل حَتَّى بلغه خبر ثلاثة فتيان كانوا قد عزموا على مثل ما عزم عليه فاستبشر بذلك وقرر أن ينضم إليهم.

وتكونت بعثة عملية من أربعة طلاب نجباء سافروا من المغرب الإسلامي إلى المشرق

الإسلامي ليغترفوا العلم من، منابعه ويأخذوا أصول الدين وفروعه عن أساتذته. قضى عاصم خمس سنوات في الدراسة في معاهد البصرة، يستمع إلى من وجد من كبار التابعين وتابعي التابعين، ويحضر مجالسهم .. أَمَّا أستاذه الذي درس عليه باستمرار، واقتبس دينه وخلقه منه، وتكونت شخصيته علي يديه فهو الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة .. وفي البصرة ربطت أواصر الصداقة بين الطلاب الأفارقة الأربعة، ثُمَّ أضافت إليهم طالبًا آخر جاء إلى البصرة من اليمن لمثل ما جاؤوا إليه هو الإمام أبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري وتعاهد الرفاق الخمسة أن يكون متجههم واحدا أينما ساروا بعد

(1) من علماء القرن الثاني، ذكره الباروني في الطقة الثالثة.