الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٨٥٧الإباضية في موكب التاريخ
93
الإباضية في الجزائر
التخرج .. فَلَمَّا أذن لهم شيخهم بالرجوع إلى أهاليهم وأوطانهم لتفقيه أقوامهم ودعوتهم إلى الاستمساك بدين الله اختاروا بالإجماع أن تكون ليبيا نقطة انطلاق نشاطهم، وكان استقرارهم بادئ الأمر في طرابلس.
اختار عاصم أن لا يتقيد بمسؤولية وظيف في إمامة زميله أبي الخطاب، وَإِنَّمَا كان يختار لنفسه المجال الحر، وكان رفاقه يحترمونه ويحبونه ويستجيبون لرغباته؛ فَلَمَّا شغل أبو الخطاب بالإمامة، وشغل عبد الرحمن بالولاية، وشغل أبو درار بالقضاء، وشغل أبو داوود بالتدريس، كان الموقف يحتم على عاصم أن يشتغل بالدعوة في مجال حر غير متقيد ولا مرتبط بمكان .. وقد اشتغل عاصم بهذا العمل فكان ينتقل بين المدن ينتقل بين المدن والقرى والأحياء الضاربة في الصحراء ترود الكلأ بمواشيها، وتنتجع الخصب لأنعامها .. يُلقي الموعظة الحسنة ويحل المشكلة الناجمة، ويفصل الخصومة الثائرة بالحكمة والرأي السديد .. كانت التي رسمها لنفسه في عمله الحر أن يركب ناقته وينتقل بين الأحياء يضرب في
الخطة
لاسيما
البيداء يعلم الناس في مضاربهم ويبين لهم ما يجهلونه من أحكام الدين المتعلقة هم، أولئك الذين يعيشون عيشة البداوة، ولقد اختار أن يشق طريقه من طرابلس على سهل الجفارة، ثُمَّ يصعد على الجبل يسير معه حتى يبلغ "تيغيت" قرب "نالوت" فيقيم هناك أيا ما ثُمَّ يرحل عَلَى طريق "تيفست" ثُمَّ "درج" ثُمَّ "غدامس"، ومن هناك يتجه غربا مارا بالقبائل الضاربة في البادية حَتَّى يبلغ مواطن سَدارته في جبال أوراس، ويقيم هناك ما يقيم ثُمَّ يعود أدراجه مع نفس الطريق مارا بالأحياء الضاربة في الصحراء، يقيل هنا ويبيت هناك، فيتجمع عليه الناس للسؤال والاستفتاء، وقد اتخذ في طريقه هذا عدة مصليات كان يقيم فيها أَيَّاما يُلقي دروس الوعظ والإرشاد، بل ودروس التوجيه والتعليم. أما اختياره لتلك المصليات التي كان يقيم فيها آخذا لنفسه قسطا من الراحة فقد كان ينبني على كثرة السكان، فحيثما وجد كثافة السكان ورغبة في المعرفة أقام المدة التي من تتيحها ظروفه، ويقتضيها قيامه بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. ولم يكن في تلك المناطق في ذلك الحين من كبار العلماء من يُروي ظمأ الناس فكان يقيم أياما يتلقى عنه الشباب دروس العلم، وبقية الناس الأحكام وحلول المشاكل الدينية، وقد عرف