الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٨٦١الإباضية في موكب التاريخ
97
الإباضية في الجزائر
والسلطان ثُمَّ إِنَّه كما ذكرنا قد مهد الأمر بإرسال مولاه بدر الذي اتصل بأنصار الأمويين فوطأوا له الأكناف ومهدوا له السبل، وأتاحوا له الفرصة، فلما وصل وجد البيعة تنتظره،
وباب الإمارة مفتوحا، فبويع، ثُمَّ إِنَّه استعمل السيف حتَّى أسكت الألسنة المعارضة. لقد كانت جميع الظروف مساعدة، وكان الجو ملائما، كانت طبيعة الوضع في الأندلس تنتظر من يدق الباب، ومع ذلك فقد اعتبر من أبطال التاريخ وسُمي "صقر قريش"؛ لأنه حين خرج خرج طريدًا شريدا وحيدًا ليس معه إلا خادمه بدر هذا .. وهو صديقه المخلص على الأصح وبعض الخدم أفضل وأصدق من الأقرباء.
هذا هو الإطار العام للقسم الأوَّل من صورة البطولة التي من أجلها أطلق على عبد الرحمن الداخل لقب صقر قريش.
أما عبد الرحمن بن رستم فقد كان أبوه من موالي، الفرس، وهو أعجمي، ومات أبوه وتركه يتيما .. صغيرًا فقيرًا يتبع أمه في موسم الْحَجِّ، وارتحل مع أمه إلى القيروان حيث نشأ تحت كفالة زوج أمه في وطن غير وطنه، وبين ناس لا علاقة له بهم غير علاقة الإسلام العامة التي تربط كُلّ مسلم بِكُلِّ مسلم فاعتمد على نفسه ودرس حتى أصبح إماما؛ فاختاره صديقه أبو الخطاب عبد الأعلى عاملا على القيروان .. فَلَمَّا تغلب العباسيون على أبي الخطاب كما تغلبوا على الأمويين، وقضوا عَلَى دولته في ليبيا كما قضوا عَلَى الدولة الأموية، وتغلبوا على البلاد التابعة له من البلاد التونسية كانت القيروان ضمن البلدان التي تغلبوا عليها، وفر عبد الرحمن بن رستم منها مع ولده وخادمه فقط، حتّى بلغ أواسط الجزائر فاستقر في جبل "سوفجَج"، وطورد هناك وحوصر في ذلك الجبل المنيع فترة من الزمن حتَّى استطاع أن يؤثر على الناس بخلقه ودينه وأن يثقوا فيه، ثُمَّ دعى إلى إقامة الإمامة في "تاهرت"، فبويع إمامًا وأقام هنالك كفاءات الدولة الرستمية بعد أن جمع حوله القلوب والسيوف بفضل ما يتحلى ــن
شخصية فقط.
فقد بايعه الناس دون أن تمهد له عصبية، فقد كان فارسيًا بين عرب وبربر، ولم تسع له قومية فإن قوميته كانت منهارة في ذلك الحين، ولم يبن عمله على حسب، فقد كان حسبه القريب ولاء وعبودية، ولم يدع له دعاة لسابقة حكم في عهد الإسلام، فقد نشأ يتيما في