الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٨٦٢الإباضية في موكب التاريخ
98
الإباضية في الجزائر
كفالة زوج
أمه الذي لا يعرف الناس عنه شيئًا .. ولم تسبقه دعوة؛ لأنه خرج والمطاردون
على أثره، واستقبلته السيوف والرماح لولا اعتصامه بالجبل المنيع. هذا هو الإطار العام للقسم الأول من صورة البطولة التي من أجلها أطلقت أنا على عبد
الرحمن بن رستم لقب صقر .. فارس وهذه هي الصورة التي تجاهلها المؤرخون عن عمد فلـ يظهروها بالوضوح الكافي.
أما القسم الثاني لصورة الصقرين أو البطلين فهي متشابهة كُلّ التشابه، فقد كان الرجلان متعاصرين نالتهما الأحداث من الدولة العباسية الناشئة بسبب انتماء كُلّ واحد منهما إلى دولة سابقة؛ فقد فر صقر قريش ولحق بالأندلس سنة ثمان وثلاثين ومائة، وفر صقر فارس من القيروان واستقر بـ "تَاهَرْت" سنة إحدى وأربعين ومائة، وتوفي صقر قريش سنة اثنتين وسبعين ومائة وتوفي صقر فارس سنة إحدى وسبعين ومائة وترك الداخل دولة عظمى في الأندلس، وترك الفارسي إمامة عظمى في الجزائر .. وكانت الدولة التي تركها صقر قريش تمثل الدولة العظيمة في حضارتها وازدهارها المادي، وكانت الإمامة التي تركها صقر فارس تُمثل الدولة الرشيدة التي وضع أسسها الإسلام .. وَكُلُّ ما هنالك من فرق أن قدم الداخل لم تثبت في الأندلس إلا بعد أن أريقت دماء وضاعت أراضي من بلاد الإسلام، وأن قدم الرستمي ثبتت دون إراقة دماء ولا ضياع بلاد. قال ابن خلدون (في المجلد الرابع صفحة (265 ما يلي: وعندما شغل المسلمون بعبد الرحمن وتمهيد أمره قوى أمر الخلاف واستفحل سلطان القوط، وتجهيز فرويلة بن الأدفونش ملكهم، سار إلى ثغور البلاد فأخرج المسلمين منها، وملكها من أيديهم». إنني كلما تتبعت أحداث التاريخ التي وصل بها صقر قريش إلى الخلافة، وأحداث التاريخ التي وصل بها صقر فارس إلى منصب الإمامة، زادت في نظري عظمة عبد الرحمن بن رستم لاسيما إذا أضفت إلى ذلك أن عبد الرحمن الداخل لم يطمئن على كرسي الإمارة إلا بعد أن أريقت دماء مسلمة زكية وضاعت بلاد مسلمة حبيبة، وثار خلاف عصبي ممقوت لَمْ يهدأ حتَّى قضى عَلَى الدولة الإسلامية في الأندلس بعد قرون.
وأن عبد الرحمن بن رستم رفعته الأكف والقلوب إلى كرسي الإمارة، وتغلب على الخلاف بالمحبة والعدالة والسلام وترك سيرة نقية يضرب بها المثل.