الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٨٦٣الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
محكم الهواري)
محكم الهواري هو شخصية من الشخصيات اللامعة التي تتهرب من الظهور وتتباعد عن الأضواء، ولكن الناس يلاحقونها ويسلطون عليها أنوارهم الكاشفة .. نشأ "محكم الهواري" في جبال أوراس الجميلة الخصبة، وترعرع في تلك الأودية والشعاب في حرية أهل البادية وسماحة نفوسهم، وصرامة طباعهم، وبعدهم عن اللف والدوران والتعقيد، وتجافيهم عن النفاق الاجتماعي والمداهنة، والملق وقد كان محكم منذ صغره ذكيًا قويم الخلق، فتعلم العلم ونبغ فيه، وأنشأته أسرته المؤمنة على دين وتقوى، فشب لا يخاف إلا الله ولا يرجو غير الله، عازفا عن الدنيا مترفعا عن ملاذها وشهواتها، محافيًا لعبيدها. وقد عرف الناس كمال علمه وخلقه ودينه وشدته في الْحَقِّ وتعلقه بالله فاحترموه لهذا الخلق وأحبوه من أجلها.
وإذا كان الناس اليوم ولاسيما من درس شيئًا من العلم يكونون أحرص من غيرهم على استثمار علمهم استثمارًا ماديًا يبيعون فيه الكرامة من أجل المنصب، ويبذلون عزة النفس من أجل الثروة، ويتخلون عن شرف العلم لشرف المهنة، وقد يبلغ الحرص على الدنيا ببعضهم أن يُغضب الله ليرضي الناس؛ فإن أهل العلم في ذلك الحين كانوا لا يغرهم شيء من زخارف الدنيا. وإذا كان العلماء اليوم يتسابقون على الحكم ويتهارشون عليه، ويتحاربون من أجله، وقد ينحدر بعضهم إلى الكيد والكذب؛ فإن العلماء في ذلك الحين كانوا يهربون منه ويفرون فرارهم من الأوبئة والأمراض .. وكانوا يقولون: إذا رأيتم العالم يغشى باب السلطان فاتهموه على دينكم".
ومع أن العصر الذي عاش فيه محكم الهواري كان مملوءاً برجال العلم والصلاح مشحونا بذوي الدين السوي والخلق الرضي، غاصاً بأصحاب الفهم والذكاء والألمعية، ولا سيما "تاهرت" التي كانت معقلا لهم فإن الناس حينما استشارهم الإمام أفلح فيمن يختارونه للقضاء في "تَاهَرْت" أجمعوا عَلَى استجلاب هذا الرجل القابع بين جبال أوراس الشاهقة،
(1) من علماء القرن الثالث الهجري ذكره الباروني في الطبقة الخامسة.