الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٨٦٤

بعيدا

الإباضية في موكب التاريخ

الإباضية في الجزائر

عن الضوضاء والصخب، وكان يشتغل بنفسه لنفسه قانعا بحظه من الحياة راضيا بما

قسم الله له.

حين اختار الناس محكما لمنصب القضاء ورفعوا رأيهم هذا إلى الإمام ناقشهم الإمام في اختيارهم هذا وأخبرهم أن في الدولة كثيرًا من الرجال لا يقلون علمًا ودينا وذكاء وتحريَّا عن، محكم، وهم يعيشون في وسط الدولة، ويعرفون كيف يتصرفون مع الناس في لطف ولباقة، وأن محكما في طبعه الصريح الجاف، ومواقفه الصامدة وقوته في الْحَقِّ، ومعيشته في حياة البادية قد لا يلائم طبائعهم المتحضرة، وأذواقهم المرهفة الحساسة وسلوكهم الذي تقيده آداب المدينة وأعرافها .. ولكن الناس قد اتفقوا عامتهم وخاصتهم على محكم لا يريدون غيره، وصمموا على موقفهم، وألزموا الإمام بتنفيذ رغبتهم. ولكنَّهم جميعًا كانوا حائرين يفكرون في طريقة دعوته إلى الحاضرة؛ فإنهم لو دعوه باسم الوظيف الجديد كان حريًا أن لا يأتيهم وأن لا يستجيب لطلبهم، وتداولوا الرأي مع "الإمام أفلح" وأخيرًا اتفقوا أن يكتب أهل الشورى له رسالة يطلبون فيها حضوره المستعجل لأمر مهم وأن يكتب الإمام أيضا رسالة يدعوه فيها إلى الحضور، وقد اتفقوا على فحوى

الرسالة.

إلى القارئ الكريم نص رسالة أهل الشورى قالوا: «أما بعد، فإنه نزل بالمسلمين أمر لا غنى بهم عن حضورك، وهم منتظرون لقدومك، ولا يسعك التخلف فيما بينك وبين الله في اللحوق بهم، والاجتماع معهم، ليجمع رأيك على ما فيه صلاح المسلمين». وما تسلّم مُحكم الرسالة حتّى أخذ كساءته وعصاته وعمد إلى دابة له فركبها ولحق بالقوم في "تاهرت"، وحضر إلى المسجد فإن المسجد هو المكان الذي تناقش فيه قضايا المسلمين الكبرى والصغرى فسألهم عن الحديث، فأخبره الإمام أن قاضي المسلمين قد توفي، وأن الناس قد اختاروه ورشحوه لمنصب القضاء، وأنه هو أي الإمام - موافق للناس على رغبتهم هذه. فتمنع محكم وأبدى كثيرًا من الأعذار، ولَكنَّهم لم يزالوا به حتَّى قبل وسار فيهم التي أملها المسلمون، وقد سجلت في فضله وعدله وشدته في الْحَقِّ قصص وطرائف ليس هذا

السيرة