الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٨٦٥الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
مكانها ومن شاء الاطلاع عليها، فعليه بكتب التاريخ أمثال رسالة «ابن الصغير» و «سير» الشماخي و «طبقات» «الدرجيني و «أزهار الباروني و «مغرب» الدبوز وغيرها، أما نحن في هذا الكتاب فَإِنَّمَا يعنينا في قصته أمران:
الأَوَّل: الرسالة التي بعثت إليه وكانت كافية في إقناعه بوجوب إجابة الدعوة. الثاني: الأسباب التي استطاع الإمام والمسلمون أن يقنعوا بِهَا مُحكما ليتولى القضاء بعد تمنعه وفراره .. فإن هذين الأمرين فيما -أرى يعطيان صورة قريبة من الصحة لحالة الأمة ورجالها في ذلك الحين، وما هم عليه من خلق ودين؛ وذلك لأننا نريد أن نرسم صورًا
للحياة التي كانت تحياها الأمَّة المسلمة أمام أنظار أبنائها في هذه العصور لعلهم يجدون هم يحدون فر
ذلك قدوة حسنة، وأسوة صالحة، وتاريخا مشرفًا ينتسبون إليه بفضل الإسلام.
ذلك أن مجتمعنا اليوم قد بعد جدا عن الروح التي كانت تجمع أغلب أبناء الشعب في ذلك الحين، وأصبح رجل العلم عندنا اليوم هو نفسه يتكالب على منصب في الدولة، يقرع كُلّ الأعتاب، ويذل ويستجدي حتّى للبواب ويسعى بجميع الطرق والحيل
الأبواب، ويتمسح بجميع
ويتخذ كُلّ الوسائل والوسائط فإذا تحصل عليه، اعتبر ذلك مغنما، وانتفخ متعاظماً.
بلغني منذ سنوات أن أحد الرجال المنسوبين إلى العلم ممَّن يتجرأ فيصلي بالناس، ويلقي عليهم دروس الوعظ والإرشاد، لا سيما في مواسم الانتخاب إذا عزم أن يخوض معركتها، وكثيرا ما يحرر الخطب الجمعية في نقد الحكومة والاهتمام بمصالح الناس .. كان ذات ليلة يسهر مع جمع من أصدقائه، وفتحوا جهاز الإذاعة على نشرة الأخبار، فإذا فيها تأليف وزارة جديدة، وإذا المرسوم يشتمل على إسناد وزارة إليه فقام دون أن يشعر، ودون أن يخجل حتَّى من الحاضرين يتلوى راقصا في الحجرة بين الحاضرين بكرشه الضخم، وعمامته المقورة، وهو يلوك إحدى الأغنيات الشائعة بين الطبقات الدنيا من الجماهير. ومنذ تلك الليلة ترك المسجد ودروس الوعظ والإرشاد إلى أن تخلت عنه الوزارة؛ فرجع إلى بيت الله يعظ الناس حتّى يصطاد وظيفة أخرى وقد فعل ولم ينته حتى جمعته الأقدار مع أشكاله في السيرك البشري الذي عرض على الجماهير في سبتمبر 1969 م، والله في خلقه شؤون.