الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٨٦٦الإباضية في موكب التاريخ
102
الإباضية في الجزائر
والنزر اليسير من أصحاب العلم في هذا العصر يملكون من الشهامة وعزة النفس ما يحملهم على عدم التمسح بالأعتاب، والوقوف عَلَى الأبواب، ولكنَّهم إذا علم الواحد منهم أن الدولة تذكرته فاختارته ليشغل منصبا هاما سارع إليه وهو يكاد يطير من الفرح، مقدرا ما وراء من المكاسب المادية، وقد تكون تلك الخطوة هي الخطوة الأولى من صاحبنا في طريق
ذلك
تخليه عن مبادئه.
أما أولئك العلماء الأعلام في ذلك العصر، فإن المنصب لا يزدهيهم، وإن المال لا يغريهم، وإن فخفخة الحكم لا تجد مكانها في نفوسهم؛ لأن نفوسهم أعظم من الدنيا وحظوظها، فهم يتهربون منها، فإذا أرادت الدولة أو الأمة أن تسند إلى أحد منهم عملا احتالت عليه فجاءته
من طريق الآخرة.
وهكذا حين تم اختيارهم لمحكم الهواري ليتولى القضاء بعثوا إليه يستدعونه، لم يذكروا له أن الأمة اختارته، ولا أن الإمام وثق به، ولا أن الدنيا أقبلت عليه؛ وَإِنَّمَا أخبروه أن نازلة نزلت بالمسلمين، وأنه لا يسعه التخلف عنهم، فَلَمَّا بلغه ذلك لَمْ يسعه التخلف، وركب دابته
معهم
ولحق بالقوم في "تاهرت" ليساعد على النظر في موضوع النازلة، وتخفيف أثرها عليهم. ولما وصل وأخبره القوم أن النازلة إنَّما هي وفاة قاضي المسلمين، وأن المسلمين والإمام قد اختاروه ليتولى في مكان القاضي المتوفى يحكم فيهم بكتاب الله وسنة رسوله الكلية وآثار السلف الصالحين .. استاء الرجل من هذا، فإن وفاة رجل وإن كان قاضيا لا تعتبر نازلة ما دام في الأمة من يقوم مقامه، وامتنع عن قبول المنصب فإن حياته المنعزلة في جبال أوراس يعمل لنفسه ولآخرته آثر عنده وأحب من النظر في مشاكل الناس وخصوماتهم. وحاول الإمام أن يقنعه وحاول مجلس الشورى ولكن دون جدوى، قالوا له: إنهم يحتاجون إلى قاض في فضله وعلمه ودينه وخلقه، يستوي عنده الكبير والصغير والغني والفقير ليشغل هذا الفراغ ويسد الثلمة .. فأجابهم بأن البلد مشحون بأهل العلم والفضل والدين، وأن عليهم أن يختاروا من المدينة نفسها من تتوافر فيه الشروط المطلوبة، مع معرفته بالناس وطباعهم وسلوكهم وعاداتهم وأساليبهم في الحياة، وطال الجدل بينهم؛ وَلَكِنَّه أصر على موقفه وأصروا على موقفهم.