الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٨٦٧الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
وأخيرًا قال أحدهم لرفاقه: "إذا لم تأتوه من باب الآخرة وتُخوفوه بالله فإنَّه لن يقبل"، وجلس إليه عدد منهم وقال قائلهم: "أما وقد امتنعت فاعلم أنك إن تخلفت عما دعوناك إليه كنت المسؤول عن كُلّ دم يراق من غير حله، وفرج يوطأ بغير وجهه، فاتق الإمام والمسلمين فيما دعوك إليه".
الله
ولا تخالف
وأصاب هذا القول الموضع الحساس من ضمير العالم الكبير، إنَّه يطالبه بتقوى الله ويحمله المسؤولية فيما يقع من اختلال بأحكام الإسلام، وفكر قليلا ثُمَّ لان ولم يلبث أن وافق، فإنَّه القضاء خوفا من الله، والآن يجب أن يتولاه خوفًا من الله.
كان يهرب من
قضى محكم الفترة التي تولى فيها القضاء وهو مرضي عنه من المسلمين ومن الإمام، يسير فيهم سيرة نزيهة لا يكبر في عينه أحد حَتَّى يأخذ منه الْحَقِّ، ولا يصغر في عينه أحد حتى
يأخذ له الْحَقِّ، الناس عنده متساوون في حقوقهم وأقدارهم وشخصياتهم وأملاكهم. وقد كتب المؤرخون عن عدله ونقلوا عنه طرائف في القضاء النزيه تزيد في ثروة القضاء الإسلامي العادل ومساواته بين الناس، فرضي الله عن أولئك القوم الذين لا يوجد في قلوبهم
حساب لغير الله.
ولد لمحكم ولد سَمَّاه هودًا رباه عَلَى الإسلام وأنشأه عَلَى تقوى الله، ودربه على المعارف الإسلامية منذ صغره، فاستمر في الدراسة حَتَّى أصبح علما من الأعلام، وقد الأعلام، وقد ألف هود عدة كتب اشتهر منها تفسيره للقرآن الكريم عَلَى طريقة السلف لا يتعرض فيه للناحية اللغوية،
ولكنَّه يقتصر فيه على بيان معاني الآيات الكريمة، واستخراج ما تتضمنه من حكم وأحكام. ويعتبر هذا التفسير من أوائل التفاسير في الإسلام وهو بالنسبة إلى المذهب الإباضي يعتبر ثاني تفسير؛ إذ سبقه الإمام عبد الرحمن بن رستم، وإن كان تفسير الإمام عبد الرحمن قد ضاع فيما يبدو - ولا توجد منه نسخ، اللهم إلا إذا احتفظت بها بعض المكتبات ولم يشع خبره؛ أما تفسير هود فتوجد منه عدة نسخ مخطوطة .. وعندما اجتمعت بالشيخ سليمان بن الحاج داود علمت أنه مهتم بطبعه ثُمَّ علمت أن الأخ العزيز الشيخ شريفي بالحاج ابن عدون يتولى تحقيقه مند سنة تقريبا، فإذا تمت هذه الخطوة المباركة فإنَّه يصبح في المكتبة الإسلامية أثر نفيس من آثار السلف في القرن الثالث الهجري، ويضاف إليها كتر من كنوزها مضى عليه أحد عشر قرنًا وهو مخبوء.